أكرم حمدان - خاص "الأفضل نيوز"
بات من الواضح، بعد جولة المفاوضات الأولى بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، أن أحد أهم نقاط الخلاف بين الطرفين هو مضيق هرمز وحركة الملاحة العالمية فيه، فما هي الأهمية الاستراتيجية لهذا المضيق؟ وهل يمكن أن تتكرر تجربة الحرب العالمية الأولى التي حصلت في مضيق الدردنيل مع هرمز؟ أسئلة كثيرة تحتاج إلى الأيام المقبلة لكي تستطيع الإجابة عليها.
ولكن بانتظار تبلور الأمور بأي اتجاه، ربما من المفيد التذكير بموقع ودور مضيق الدردنيل الاستراتيجي والحاسم خلال الحرب العالمية الأولى، وكيف تطورت الأمور فيما بعد وصولاً إلى اتفاقية مونترو 1936، التي تنظم حركة المرور في المضيق، وهل يمكن تكرار نفس السيناريو بالنسبة لمضيق هرمز، بعد الحرب التي دارت رحاها بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية؟؟ أم أن الأمور ستتجه نحو الأسوأ عالمياً ونصل إلى الحرب العالمية الثالثة؟؟.
لقد لعب مضيق الدردنيل دوراً استراتيجياً حاسماً خلال الحرب العالمية الأولى، حيث كان مسرحاً للمعارك البحرية والبرية، وتحديداً معركة جناق قلعة 1915-1916.
ويعتبر هذا المضيق مهماً، حيث يربط بحر إيجة ببحر مرمرة، مما يجعله البوابة البحرية لمدينة إسطنبول، العاصمة العثمانية خلال الحرب، وممراً حيوياً للوصول إلى روسيا عبر البحر الأسود.
وقد شكل الدردنيل هدفاً استراتيجياً للحلفاء، إذ سعت بريطانيا وفرنسا إلى السيطرة عليه لفتح ممر بحري لإمداد روسيا القيصرية آنذاك، وتهديد الدولة العثمانية (حليفة ألمانيا)، وإسقاط إسطنبول.
في المقابل، تحصنت القوات العثمانية في المضيق لمنع الحلفاء من اختراقه، مما أدى إلى معارك ضارية، وباءت محاولات الحلفاء البحرية بالفشل في 18 آذار 1915، نتيجة الألغام البحرية والمقاومة العثمانية القوية، مما أجبرهم على إنزال بري في شبه جزيرة غاليبولي، وانتهت الحملة بفشل ذريع للحلفاء وانسحابهم في أوائل عام 1916، مما شكل انتصاراً كبيراً للدولة العثمانية.
وكان المضيق سبباً رئيسياً في دخول روسيا الحرب لحماية مصالحها، وأدى فشل حملة الدردنيل إلى تغيير مجرى الحرب في المنطقة.
ويعتبر الدردنيل الشريان الرئيسي الذي يربط دول حوض البحر الأسود مثل روسيا وأوكرانيا بالبحر الأبيض المتوسط والعالم، مما يجعله ممراً حيوياً لنقل النفط والغاز والبضائع التجارية، كما يعتبر "نقطة اختناق" (Choke Point) جيوسياسية، حيث يتحكم في حركة السفن العسكرية والبحرية، مما يمنح تركيا ثقلاً استراتيجياً كبيراً، وهو المنفذ الوحيد المباشر من البحر المتوسط إلى البحر الأسود، مما يجعله ذو أهمية قصوى لروسيا للوصول إلى المياه الدافئة.
تسيطر تركيا على الملاحة في المضيق بموجب اتفاقية مونترو 1936، التي تنظم عبور السفن الحربية والتجارية، مما يضمن أمنها الوطني ويوازن المصالح الدولية في المنطقة، ويبلغ طول المضيق حوالي 61 كيلومتراً، وعرضه يتراوح بين 1.2 و6 كيلومترات، وهو يمثل بوابات تركيا الغربية البحرية.
بالموازاة، يُعد مضيق هرمز أهم ممر مائي لنقل الطاقة عالمياً، حيث تعبره يومياً نحو 17-20 مليون برميل نفط، ما يمثل خُمس الاستهلاك العالمي وربع تجارة النفط المحمولة بحراً، مما يجعله شرياناً استراتيجياً يؤثر في أمن الطاقة، استقرار الاقتصاد الدولي، والسياسات الخارجية للقوى العظمى، وخاصة في فترات التوتر الإقليمي.
وتكمن أهمية مضيق هرمز الاستراتيجية للولايات المتحدة في كونه شرياناً حيوياً لأمن الطاقة العالمي، حيث يمر عبره حوالي 20% من إمدادات النفط العالمية، كما يمثل نقطة نفوذ جيوسياسي للضغط على إيران وضمان تدفق التجارة في الشرق الأوسط، وتدفق النفط إلى حلفائها في آسيا (مثل اليابان وكوريا الجنوبية) الذين يعتمدون بشكل كبير على هذا المسار.
في الخلاصة، تعتبر الولايات المتحدة أن المضيق هو أداة لا غنى عنها لإدارة أمن الطاقة العالمي ومواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، لذلك تسعى إلى إيجاد آلية مشتركة لإدارة المضيق، بينما تصر طهران على إدارة حركة المرور في المضيق بالتنسيق مع سلطنة عمان كونه يمر عبر الحدود الإيرانية-العمانية فقط.
هل ستتكرر اتفاقية مونترو 1936 في هرمز كما في الدردنيل؟ علماً أن الدردنيل بكامله في الأراضي التركية، بينما هرمز بين إيران وسلطنة عمان، ولو أن النسبة الأكبر في المجال الإيراني؟

