كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
ليست المرة الأولى التي يفاوض لبنان فيها العدو الإسرائيلي، لكنها كانت تجري تحت علم الأمم المتحدة، أو وسيط دولي، كان دائماً أميركياً، وهذا ما حصل منذ العام 1948، فأعطيت إسرائيل شرعية اغتصابها لفلسطين تحت عنوان تقسيمها، بالقرار 184 والتي لم تكن الأرض غير المحتلة للشعب الفلسطيني، بل منحت الضفة الغربية للأردن وغزة إلى مصر، واحتلتهما إسرائيل في حرب حزيران 1967 وضمتها إليهما مع الجولان، فصدر القرار 242 عن مجلس الأمن الدولي الذي طالبها بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها، لكنها لم تنفذه، فظهرت المقاومة الفلسطينية بعد عجز الأنظمة العربية عن تحرير الأرض المحتلة وتأمين حق العودة للفلسطينيين بالقرار 194.
ولما لم تستطع الجيوش العربية فعله في استعادة الأرض المحتلة وعودة الفلسطينيين، قررت أنظمة عربية سلوك ما سمته "طريق السلام" بديلاً عن الحرب، فافتتح النظام المصري برئاسة أنور السادات هذا الطريق، الذي أوصله إلى الكيان الصهيوني في نهاية 1977، ومن ثم إلى "اتفاقية كامب ديفيد" في العام 1971، فطرح لبنان أن يكون الدولة الثانية لتوقيع "معاهدة سلام" معه، وهو كان يمر في حرب أهلية، وفريق منه مثلته "الحركة الوطنية" كان مع مقاومة العدو الإسرائيلي وسانده الكفاح المسلح الفلسطيني، وفريق حالف العدو الإسرائيلي ومكنه من احتلال لبنان على مرحلتين في العام 1978 بإقامة "الحزام الأمني"، ثم الغزو الصهيوني عام 1982، ففرض على لبنان توقيع "اتفاق سلام" بعد أن أوصل سلطة موالية له بانتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية مع اختلال التوازن الداخلي، فتم اغتياله في 14 أيلول بعد حوالي شهر من وصوله إلى رئاسة الجمهورية، فأكمل شقيقه أمين مسيرته باستكمال ما تعهد به بشير وهو إنهاء الحرب مع الكيان الصهيوني، متجاوزاً "اتفاقية الهدنة" وخارقاً التضامن العربي، الذي قاطع النظام المصري في قمة بغداد التي أقامت "جبهة الصمود الثلاثي"، فتمكنت القوى الوطنية بمساعدة سوريا من إسقاط اتفاق 17 أيار عام 1983.
هذا التاريخ تجري محاولة استعادته من قبل الدولة اللبنانية الحالية، التي دعت عبر رئيس الجمهورية ميشال عون إلى مفاوضات مباشرة مع العدو الإسرائيلي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وحصر السلاح بيد الدولة، ووافق رئيس الحكومة نواف سلام على المفاوضات واستبقها بقرارات حكومية باعتبار المقاومة غير شرعية وسلاح "حزب الله" غير نظامي وكلف الجيش اللبناني بانتزاعه منه، لكنه لم ينجح في الوصول إليه كاملًا جنوب الليطاني، وفاجأ "حزب الله" بالعودة إلى المواجهة العسكرية بعد صمت دام "15 شهراً" وكانت مقاومته عند الحافة الأمامية.
أحرج انخراط "حزب الله" في الحرب لإسناد إيران بعد إسناد غزة، السلطة اللبنانية، التي رأى الرئيس عون بأن الحرب لم تأتِ إلا بالخراب والدمار والقتل والتهجير، ولا بدّ من اللجوء إلى السلام عبر المفاوضات، وأن يكون مستدامًا، وهو المحور الذي يتوسع عربيًّا لاسيما بعد سقوط النظام في سوريا، ودخول السلطة الجديدة بمفاوضات مباشرة مع الكيان الصهيوني، وهو ما ترك أطراف دولية، لاسيما أميركا أن تطلب من لبنان أن يحذو حذو سوريا، وهذه كانت مهمة الموفدين الأميركيين من مورغان أورتاغوس إلى السفير ميشال عيسى، وقبلهم آموس هوكشتاين.
والمفاوضات المباشرة التي طلبها لبنان وأيدته أميركا، فإن العدو الإسرائيلي وافق عليها تحت النار، وأفشلها قبل أن تبدأ، ووضع لبنان الرسمي في موقف صعب إذا استمرت الاعتداءات الإسرائيلية وهو البند الأول الذي طلبه الرئيس عون بمبادرته التي لاقت رفضاً من "حزب الله" و حذرًا من الرئيس نبيه بري.

