عماد مرمل - خاص الأفضل نيوز
مع استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان، تبدو مناعة الساحة الداخلية ضعيفة، بدل أن ترتفع إلى أعلى المستويات الممكنة لمواجهة المخاطر المتأتية من هذا العدوان.
وإذا كان يُفترض بالتهديد الخارجي أن يشكّل حافزًا لأي مجتمع من أجل تعزيز تماسكه كما يُستدل من التجارب التاريخية والحديثة للشعوب، إلا أن الواقع اللبناني يصرّ على أن يكون استثناءً لهذه القاعدة، بحيث إن الحرب الإسرائيلية زادته انقسامًا وتشظيًا نتيجة الخلاف الحاد حول أسبابها وسبل وقفها، الأمر الذي أدى إلى إضعاف الموقف الوطني العام، وشجّع الاحتلال على مواصلة عدوانه من جهة، وعلى صبّ الزيت فوق نار التناقضات اللبنانية المتأججة من جهة أخرى.
وقد ارتفع مؤخرًا منسوب التخوّف من الانزلاق إلى مستنقع الفتنة على وقع تصاعد نبرة الخطاب التحريضي فوق صفيح سياسي وميداني ساخن، ما دفع الجيش إلى تعزيز إجراءاته الاحترازية والتحذير من تعريض السلم الأهلي لأي اهتزاز.
لكن الإجراءات الأمنية الكلاسيكية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لحماية الاستقرار وتحصينه، بل إن الأولوية يجب أن تكون لتحقيق "الأمن السياسي" المستند إلى التوافق الوطني على القضايا الأساسية، ذلك أنه هو الذي يشكّل الضمانة الحقيقية للسلم الأهلي الذي يهتز حاليًا تحت وطأة الاشتباك السياسي حول خيارات الحكومة إزاء العدوان الإسرائيلي ومسألة التفاوض المباشر مع تل أبيب.
وقد أتت التحركات الاحتجاجية الأخيرة في الشارع ضد رئيس الحكومة نواف سلام، وردود الفعل عليها من مؤيديه، لتؤشر إلى ارتفاع حرارة الاحتقان حتى معدلات خطرة باتت تهدد بتداعيات على الأرض، ما استدعى من الثنائي، حزب الله وحركة أمل، التدخل وطلب وقف هذه التحركات منعًا لأي استغلال لها من قبل أصحاب المصلحة في التوتير المذهبي.
ولئن كانت قيادة حزب الله لا تخفي اعتراضها الشديد على نهج سلام في مقاربة تحديات العدوان، إلا أنها تريد في الوقت نفسه إبقاء هذا الاعتراض بأبعاده السياسية والشعبية مضبوط الإيقاع، بحيث يوصل الرسائل المطلوبة من دون أن يتطور إلى مواجهة شاملة في هذا التوقيت.
وقد انطلق "الثنائي" في قراره بعدم الدعوة إلى أي تظاهرات أو تجمعات حاليًا من الاعتبارات الآتية:
- ضرورة إعطاء الأولوية للمواجهة الأساسية والمصيرية مع العدو الإسرائيلي، وتفادي الانشغال بمعارك جانبية تشتت الطاقات والانتباه، في وقت يجب حشد كل القدرات والاهتمام على جبهة الصراع مع الاحتلال.
- إن أي اشتباك داخلي سيشكّل أكبر خدمة للعدو الإسرائيلي الذي كان ولا يزال يحرّض على فتنة طائفية أو مذهبية تقضي، من الناحيتين الأخلاقية والوطنية، على سلاح المقاومة وتنزع منه أي مشروعية، تعويضًا عن الإخفاق في نزعه ماديًا. وهذا ما يفسّر تأكيد الشيخ نعيم قاسم رفض الانجرار إلى أي فتنة بين المكوّن الشيعي والطائفة السنية والجيش اللبناني، وكذلك بين حزب الله وحركة أمل، خصوصًا أنه يعلم أن بعض الخصوم ينتظرون منه أن يقع في مثل هذا الفخ.
- وجوب مراعاة مقتضيات وجود مئات آلاف النازحين في مناطق متنوعة الانتماءات، وبعضها يخالف مزاجهم السياسي، ما يقتضي تجنب حصول أي استفزازات أو احتكاكات قد تسيء إلى العلاقة الإيجابية بين هؤلاء النازحين ومعظم البيئات المضيفة التي تتعامل معهم بشكل لائق.
- منع أي تماس مع الجيش الذي شكّلت مواقف قيادته صمّام أمان في مواجهة محاولات تفجير الساحة الداخلية والإيقاع بينه وبين مكوّن لبناني أساسي بتحريض من جهات لبنانية وخارجية، وبالتالي فإن لدى الحزب والحركة اقتناعًا تامًا بأن المطلوب مساعدته ودعمه، وليس إرهاقه وتحميله أعباءً ثقيلة إضافية.
بناءً عليه، يبدو من الواضح أن "الثنائي الشيعي" الذي يتهيب الفتنة ومآلاتها سيؤجل معركة كسر العظم مع الحكومة ورئيسها إلى ما بعد انتهاء الحرب، وعندها يُبنى على الشيء مقتضاه تبعًا للتوازنات الجديدة التي ستنشأ.

