محمد علوش - خاص الأفضل نيوز
دخلت المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية مرحلة حساسة، بعدما بدأت بيروت ترفع منسوب الضغط السياسي على إسرائيل، في محاولة لإلزامها بالتقيد بما تم التوصل إليه، وعدم تحويل مسار التفاوض إلى غطاء لاستمرار الوقائع الميدانية التصعيدية التي تفرضها على الأرض. فالمعادلة التي تتبلور حالياً، وفق مصادر متابعة للمفاوضات، تقوم على أن استمرار التفاوض لا يمكن أن يبقى منفصلاً عن تنفيذ الالتزامات، وأن قدرة إسرائيل على الاستمرار في التصعيد والاحتفاظ بمواقعها وفرض شروط جديدة، بالتوازي مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، بدأت تصبح موضع اعتراض لبناني واضح.
وتقول مصادر متابعة عبر "الأفضل" إن التصعيد اللبناني في هذه المرحلة لا يعني أن بيروت قررت الانسحاب من المسار التفاوضي، بل هي محاولة لإعادة ضبط قواعده، فلبنان، وفق المصادر، يريد أن يقول بوضوح إن التفاوض ليس بديلاً عن التنفيذ، وإن الاتفاق الذي جرى التوصل إليه لا يمكن أن يتحول إلى مسار أحادي الجانب، تلتزم فيه بيروت بما عليها، بينما تبقي إسرائيل على ما تعتبره مصالحها الأمنية والعسكرية وتواصل عملياتها الميدانية. ومن هنا يأتي التلويح بأن استمرار إسرائيل في عدم تنفيذ التزاماتها قد يؤدي إلى تعليق التفاوض.
وتكشف المصادر أن هذه النقطة كانت حاضرة بقوة في النقاشات السياسية اللبنانية خلال المرحلة الماضية، ولا سيما خلال زيارة رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى قصر بعبدا ولقائه الرئيس جوزيف عون، فالمعطيات التي كانت متوافرة لدى الطرفين يومها كانت تدفع إلى نظرة متشائمة إلى حد كبير تجاه السلوك الإسرائيلي، مع وجود شبه توافق على أن المشكلة أصبحت في قدرة الجانب الأميركي على إلزام إسرائيل بتنفيذ أي اتفاق. وبمعنى آخر، فإن السؤال الذي كان يطرح نفسه في تلك المرحلة لم يكن: هل يريد لبنان مواصلة التفاوض؟ بل: ماذا تستطيع الولايات المتحدة أن تفعل إذا قررت إسرائيل عدم الالتزام؟
وهذا السؤال تحديداً بات أكثر إلحاحاً بعد الجولة السابعة في روما، فالجولة لم تنتهِ إلى انهيار المسار، لكنها لم تنتج أيضاً الاختراق الذي كانت بيروت تأمل في تحقيقه، وخصوصاً في ملف المناطق التجريبية، فقد تمسك لبنان بالانتقال إلى مناطق جديدة، بينما أصرت إسرائيل على استكمال التحقق من الوضع في المنطقتين اللتين سبق أن انتشر فيهما الجيش اللبناني قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
وبحسب مصادر متابعة، فإن هذا الخلاف يتجاوز في الواقع مسألة جغرافية محدودة، لأن المناطق التجريبية أصبحت اختباراً لطبيعة الاتفاق كله. فإذا تمكن الطرفان من الانتقال من منطقتين إلى مناطق إضافية بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي وانتشار للجيش اللبناني، فهذا يعني أن الاتفاق بدأ يتحول إلى آلية تنفيذية قابلة للتوسع. أما إذا بقيت إسرائيل متمسكة بالمناطق الأولى، أو ربطت أي خطوة إضافية بشروط جديدة، فإن ذلك يعني أن المسار دخل في دائرة المراوحة التي تخشى بيروت أن تتحول إلى صيغة دائمة.
وتشير المصادر إلى أن إسرائيل تحاول في المقابل إبقاء هامش واسع للمناورة، انطلاقاً من تصور أمني يعتبر أن أي انسحاب أو انتقال إلى مرحلة جديدة يجب أن يسبقه تحقق ميداني كامل من الوضع في الجنوب، ولا سيما ما يتصل بالسلاح وانتشار الجيش اللبناني. وهذا ما يفسر الإصرار الإسرائيلي على عدم الانتقال سريعاً إلى المرحلة التالية، في حين ترى بيروت أن استمرار هذه الآلية إلى ما لا نهاية يعني عملياً السماح لإسرائيل بتأجيل التزاماتها تحت عناوين أمنية متحركة.
ومن هنا تبرز أهمية الدور الأميركي، فواشنطن ليست مجرد راعٍ للمفاوضات، وفق المصادر، وإنما أصبحت عملياً الطرف الذي يفترض أن يحسم الخلافات عندما يعجز الطرفان اللبناني والإسرائيلي عن التوصل إلى تفاهم. وهذا الدور ظهر بوضوح بعد الجولة الأخيرة، إذ أعلنت الإدارة الأميركية أن المفاوضات كانت إيجابية وأن الطرفين أصبحا أقرب إلى توسيع تجربة المناطق التجريبية، فيما أكد الرئيس عون أن الإدارة الأميركية ستعمل على معالجة مسألتي وقف إطلاق النار والمناطق التجريبية.
لكن المشكلة، بحسب المصادر، تكمن في الفارق بين الموقف الأميركي المعلن والقدرة الأميركية على تحويله إلى ضغط فعلي على إسرائيل، ولذلك فإن رفع لبنان سقف الخطاب في هذه المرحلة يحمل رسالة مزدوجة: أولاً إلى إسرائيل بأن الصبر اللبناني ليس مفتوحاً، وثانياً إلى واشنطن بأن استمرار التفاوض يحتاج إلى تدخل أميركي أكثر فاعلية.
وتعتقد مصادر متابعة أن تلويح لبنان بتعليق المفاوضات يجب أن يُقرأ في هذا السياق، فبيروت لا تريد بالضرورة إغلاق الباب، لأن التفاوض يبقى بالنسبة إليها الإطار السياسي الذي يمكن من خلاله الوصول إلى الانسحاب الإسرائيلي وتثبيت الانتشار اللبناني ومعالجة الملفات العالقة. لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول المفاوضات إلى عملية مستمرة، فيما الوقائع الميدانية تسير في اتجاه مختلف، ولذلك فإن التهديد بالتعليق قد يكون محاولة لوقف هذه المعادلة وإجبار الوسيط الأميركي على التدخل قبل أن يصل المسار إلى نقطة يصعب معها الاستمرار.

