عماد مرمل - خاص الأفضل نيوز
يمرّ الوقت ثقيلًا على لبنان والجنوبيين، وتتلاحق جولات التفاوض المباشر التي وصل عددها إلى سبع، من دون أن يتمكّن المسار الدبلوماسي بعد من تحقيق أي نتيجة إيجابية يُعتدّ بها ويُبنى عليها.
ورغم أن اتفاق الإطار صُمّم على قياس المصالح الأمنية والسياسية الإسرائيلية بالدرجة الأولى، إلا أن تل أبيب لا تزال تتحايل عليه، بحيث تأخذ منه ما يغطي بقاء احتلالها ويمنحها حرية الحركة العدوانية بذريعة عدم سحب سلاح حزب الله وعدم الوثوق في دور الجيش قبل التحقق من إجراءاته، بينما تتجاهل في المقابل تنفيذ أي التزام يقع على عاتقها بموجب الاتفاق، الأمر الذي يزيد موقف السلطة اللبنانية حراجة وصعوبة، بعدما تبيّن أن شيكات بنيامين نتنياهو بلا رصيد وأن تطمينات دونالد ترامب بلا ترجمة.
ويبدو أن تل أبيب باتت تتصرف على قاعدة أنه إذا كان اتفاق الإطار يعطيها 90 بالمئة مما تريده، فهي ستحاول تحصيل 190 بالمئة من المكاسب عبر فرض قوة الأمر الواقع وإعادة الهندسة الجغرافية والديموغرافية للمنطقة المحتلة على قياس مخططاتها المعلنة.. والمضمرة.
وضمن هذا السياق، تتوقف أوساط سياسية عند خطورة التدمير الممنهج والمستمر للبلدات الجنوبية المحتلة وإمعان العدو في تنفيذ تفجيرات ضخمة أبادت حتى الآن 24 قرية بالكامل ومسحتها من الوجود، وفق إعلان وزير الحرب يسرائيل كاتس، إضافة إلى نسف أجزاء كبيرة من عشرات القرى الأخرى.
وتلفت الأوساط إلى أنه لا يجب الاعتياد على هذه الجريمة الإسرائيلية مع تكرار فصولها، ولا ينبغي الاكتفاء باستنكارها وكأنها اعتداء يشبه غيره، "إذ إن ما يجري في الجنوب ليس مسحًا للعمران فقط، وإنما اجتثاث للهوية والجغرافيا والتاريخ والجذور، في محاولة لإعادة تشكيل المنطقة الحدودية."
وتعتبر الأوساط أن ما يفعله العدو الإسرائيلي تحت سقف وقف إطلاق النار هو أخطر بكثير مما كان يحصل خلال الحرب الواسعة، مشيرة إلى أنه يستفيد من التهدئة الحالية ليستكمل جريمته في حق الهوية الحضارية للبلدات الجنوبية المحتلة من دون أن يتعرض إلى أي رد في ظل التزام حزب الله بوقف النار.
وتنبه الأوساط إلى أن عمليات التفجير والتجريف المتواصلة هي من الانتهاكات الشديدة الخطورة لقرار وقف إطلاق النار واتفاق الإطار، مشددة على أنه لا يجوز التساهل معها لمجرد أنها لا تؤدي إلى ضحايا.
وتعتبر الأوساط أنه ينبغي أن تقارب السلطة السياسية ملف التفجير والتجريف بأعلى درجات الجدية والمسؤولية، وصولًا إلى اتخاذ قرار بتعليق مشاركتها في جلسة التفاوض الثامنة المقررة في روما مطلع أيلول المقبل ما لم تتوقف عمليات النسف والتدمير حتى ذلك الحين، "علمًا أن السلبية التي يعتمدها الجانب الإسرائيلي حيال مجمل المطالب اللبنانية أصبحت تستدعي موقفًا اعتراضيًّا من نوع تجميد المفاوضات بغية وضع حد للاستنزاف المعنوي والسياسي الذي تتعرض له السلطة جراء منح التنازلات من دون تحصيل أي مقابل."
وتحذر الأوساط من أن عملية مسح البلدات الجنوبية تتجاوز الدوافع الأمنية التي يتذرع بها الاحتلال نحو تمهيد الأرض أمام نواة مشروع استيطاني محتمل، ما يستدعي التعاطي مع هذا التحدي على أساس أنه تهديد وجودي للجنوب، خصوصًا بعدما نشر الحساب الرسمي الناطق بالعربية لوزارة الخارجية الإسرائيلية، على منصة "إكس"، خريطة تُظهر لبنان منقوصًا من أجزاء من جنوبه وتدرجها ضمن مساحة الكيان الإسرائيلي، الأمر الذي ينطوي على دلالات ومؤشرات شديدة الخطورة.

