هديل حسين -خاصّ الأفضل نيوز
“متى ستسافر؟” سؤال أصبح مألوفًا في أحاديث اللبنانيين، حتى كأنه لم يعد سؤالًا عن الرغبة، بل عن الموعد، حتى لم يعد السفر بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين حلمًا يراودهم في الإجازات، أو فكرة مؤجلة إلى حين تحسن الظروف. بالنسبة إلى شريحة واسعة، تحوّل إلى مشروع يحتاج إلى تخطيط: البحث عن فرصة عمل، تجهيز الأوراق، تعلم لغة، توفير المال، اختيار البلد، وربما بيع بعض الممتلكات أو تأجيل الزواج وتأسيس الأسرة.
في بلد اعتاد أبناؤه الهجرة منذ عقود، تبدو الهجرة اليوم مختلفة في دوافعها وتوقيتها؛ فالأزمة الاقتصادية، تراجع القدرة الشرائية، صعوبة إيجاد فرص عمل مستقرة، وغياب الشعور بالأمان المهني، دفعت كثيرين إلى إعادة النظر في علاقتهم بالمستقبل.
لم يعد السؤال فقط: “هل أريد أن أسافر؟”
بل أصبح بالنسبة إلى البعض: “كيف أستطيع أن أسافر؟”
عندما يصبح الرحيل مشروعًا..
يبدأ الأمر غالبًا بفكرة بسيطة: “لو وجدت فرصة في الخارج، سأذهب.”
لكن الفكرة سرعان ما تتحول إلى خطة.
يبدأ الشاب بالبحث عن وظائف خارج لبنان، وتقارن الشابة بين الرواتب وتكاليف المعيشة، ويبدأ آخرون بإجراءات السفر أو معادلة الشهادات، فيما يخصص البعض جزءًا من دخلهم لتأمين تكاليف الرحيل..وهنا يتغير معنى السفر،
فهو لم يعد مجرد رغبة في اكتشاف بلد جديد، بل أصبح بالنسبة إلى البعض وسيلة لبناء حياة أكثر استقرارًا.
الوظيفة التي تدفع إلى الخارج
يبحث اللبناني عن وظيفة، لكنه لا يبحث فقط عن راتب أعلى. إنه يبحث عن الاستقرار، وعن إمكانية التخطيط للسنوات المقبلة، فالمشكلة بالنسبة إلى البعض ليست في الحصول على وظيفة مؤقتة، بل في القدرة على بناء مسار مهني واضح داخل لبنان، وهنا يصبح الخارج خيارًا مهنيًا أكثر منه خيارًا جغرافيًا، قد يكون الهدف دولة خليجية، أو دولة أوروبية، أو أستراليا، أو كندا، بحسب الاختصاص والفرص المتاحة.
جيل يخطط للسفر قبل أن يخطط للاستقرار
الأكثر لفتًا أن فكرة السفر بدأت تدخل في قرارات أخرى من حياة اللبناني، بالنسبة إلى بعض الشباب، أصبح السؤال عن العمل مرتبطًا بسؤال أكبر: أين سأعيش؟ أين سأتزوج؟ أين سأربي أولادي؟ وهكذا يدخل السفر في حسابات الزواج وتأسيس الأسرة. فالبعض يؤجل الزواج إلى حين تأمين فرصة خارج لبنان، فيما يقرر آخرون أن يكون الاستقرار في الخارج جزءًا من مشروعهم العائلي منذ البداية.
ورغم اتساع ظاهرة الهجرة، لا يمكن اختزال اللبنانيين في صورة واحدة، هناك من يرفض السفر رغم توفر الفرصة، هناك من يرى أن لبنان، بكل أزماته، ما يزال بيته ومكانه الطبيعي وهناك من غادر ثم عاد، بعدما اكتشف أن الحياة في الخارج ليست بالسهولة التي تخيلها، وهنا تظهر أسئلة أخرى:
هل الخارج هو الحل فعلًا؟
وهل يمكن أن يتحول الحلم بالسفر إلى صدمة عندما يصطدم المهاجر بالاغتراب، والوحدة، وتكاليف الحياة، وصعوبة بناء شبكة اجتماعية جديدة؟
كريم ابن ال ٢٧ عاماً قال " لا أريد أن أهرب من لبنان… أريد أن أبني مستقبلي"…
السفر يعني المستقبل.، لا أبحث عن حياة فخمة، أريد فقط أن أعيش بكرامة، أعمل وأعرف أن راتبي يكفيني، وأستطيع أن أوفر جزءًا منه وأخطط لحياتي. هنا أشعر أنني أعمل فقط حتى أستمر، وليس حتى أتقدم..
أما رامي ابن ال ٣٥ عاماً قال " لم أعد أفكر بما أريده أنا… أفكر بما تحتاجه عائلتي"…أصعب شعور أن يطلب مني أولادي شيئًا وأضطر إلى التفكير عشر مرات قبل أن أشتريه لهم. أحيانًا تكون أشياء بسيطة جدًا، لكنني أحسبها لأن هناك التزامات أخرى في نهاية الشهر. الأب يريد أن يؤمن لعائلته حياة كريمة، وعندما يعجز عن ذلك يشعر بالعجز فعلًا..لذلك أريد أن أسافر لأبني حياة أفضل وليس لأني أردت أن أترك بلدي.
الهجرة بين الفرصة والخسارة
من الناحية الفردية، قد يكون السفر فرصة للنجاح، لكن على المستوى الوطني، ماذا يعني أن يغادر أصحاب الخبرات والكفاءات؟
عندما يغادر الطبيب والمهندس والمدرس والإعلامي والباحث والشاب الجامعي، لا تغادر معهم أمتعتهم فقط، بل تغادر أيضًا سنوات من التعليم والخبرة والطاقة البشرية، وهنا تتحول الهجرة من قرار شخصي إلى قضية اجتماعية واقتصادية،
ربما أصعب ما في الهجرة ليس حقيبة السفر بل الأصعب هو أن يبدأ الإنسان في التخطيط لحياة كاملة بعيدًا عن المكان الذي اعتاد أن يسميه وطنه؛ فمن يسافر لا يرحل دائمًا لأنه يكره وطنه، ومن يبقى لا يعني أنه لا يملك طموحًا، فبين الاثنين مساحة كبيرة من الأسئلة:
الأمان، العمل، الكرامة، المستقبل، العائلة والانتماء…
ربما لم يعد السفر بالنسبة إلى اللبناني مجرد حلم ينتظر تحسن الظروف. لقد أصبح عند كثيرين خطة بديلة، وأحيانًا خطة أولى؛ فالشاب الذي كان يقول: “أريد أن أسافر يومًا ما”، أصبح يقول: “أحتاج إلى سنة لأجمع المال، وأحتاج إلى إنجاز أوراقي، وأبحث عن وظيفة في الخارج.”
وهنا تكمن القصة الحقيقية…
لم يعد السؤال عند كثير من اللبنانيين: هل سنسافر؟ بل: متى سنسافر، وإلى أين؟
ويبقى السؤال الأصعب معلقًا:
ماذا يحدث لو أصبح الرحيل هو الخطة، والبقاء هو الاستثناء؟!.

