ندى أندراوس -خاصّ الأفضل نيوز
لا يمكن تحميل زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى باريس والقمة اللبنانية الفرنسية -الأردنية أكثر مما تحتملان، لكن لا يجوز في المقابل التقليل من دلالتهما السياسية؛ فالزيارة لم تنتج التزامات تنفيذية كبرى، إلا أنها أعادت تحريك الاهتمام بلبنان وفتحت نافذة للنقاش في ملفات الجيش والجنوب ومرحلة ما بعد اليونيفيل.
هذا الاهتمام ليس منفصلاً عن التحول الذي أحدثته سياسة الانفتاح التي اعتمدها الرئيس عون؛ فلبنان يحاول، عبر تنشيط علاقاته العربية والأوروبية، استعادة موقع الدولة بوصفها الطرف الشرعي في أي بحث يتناول أمن الجنوب ومستقبل الحدود ودعم الجيش. والهدف السياسي يتجاوز طلب المساعدات إلى إعادة إدخال لبنان في شبكة التوازنات الإقليمية والدولية، بعدما بقي ملفه لسنوات أسير إدارة الأزمات والنفوذ الموازي للدولة.
بالنسبة لفرنسا، تشكل القمة محاولة لإعادة تثبيت حضورها في الملف اللبناني، في وقت تتراجع فيه هوامش الحركة الأوروبية أمام ثقل الدور الأميركي. وتريد باريس أن تؤدي دور الجسر بين لبنان والعواصم الغربية، وأن تفتح لنفسها مساحة في الملفات المقبلة، من دعم الجيش ومستقبل اليونيفيل إلى إعادة الإعمار والترتيبات الأمنية في الجنوب. غير أن قدرتها على تحويل هذا الحضور إلى مبادرة فاعلة تبقى مرتبطة بمدى التفاهم مع واشنطن وعدم اصطدامها بالرفض الإسرائيلي.
أما الحضور الأردني، فمنح القمة غطاءً عربياً يتجاوز العلاقة الثنائية مع لبنان. فعمّان تنظر إلى استقرار لبنان من زاوية أمن الإقليم، وتملك علاقات مفتوحة مع واشنطن والعواصم الأوروبية، فضلاً عن خبرتها في دعم المؤسسات العسكرية والأمنية، لذلك، يمكن للأردن أن يؤدي دور حلقة الوصل العربية، وأن يساعد في استقطاب دعم عربي أوسع للجيش والدولة، من دون أن يعني ذلك حتى الآن قيام محور سياسي جديد أو ولادة مبادرة مكتملة.
وعليه، تكمن القيمة السياسية للقمة في جمع ثلاثة أدوار متكاملة: لبنان الساعي إلى استعادة المبادرة، وفرنسا الباحثة عن مساحة تأثير أوروبية، والأردن القادر على تأمين الامتداد العربي، لكن نجاح هذا التقاطع يبقى رهناً بترجمته إلى آلية متابعة واضحة، لا أن ينتهي عند حدود الصورة والبيان السياسي.
عملياً، أعادت القمة وضع دعم الجيش في صدارة الأولويات، بعدما تأجل مؤتمر الدعم أكثر من مرة، وقد عرض لبنان حاجات المؤسسة العسكرية والقوى الأمنية، إلا أن الاجتماع بقي في إطار تبادل الأفكار. لذلك، سيكون المؤشر الجدي إلى نجاحه تحديد موعد واضح للمؤتمر، ثم معرفة حجم المساهمات ونوعيتها والدول المستعدة لتقديمها.
وتتصل هذه المسألة مباشرة بمستقبل الجنوب؛ فهناك قناعة دولية بأن الجيش هو الجهة الشرعية المؤهلة للانتشار وضبط الأرض، غير أن قدرته على أداء هذه المهمة تبقى مرتبطة بتوفير الإمكانات، وقبل ذلك بانسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها، فلا يمكن للجيش أن يملأ فراغاً في مناطق ما زالت محتلة، ولا للدولة أن تطلب من الأهالي العودة من دون إعادة إعمار أو مقومات صمود.
كذلك لم تحسم القمة مستقبل اليونيفيل أو شكل أي حضور أوروبي محتمل بعدها. فهذه الخيارات ما تزال خاضعة للموقف الأميركي، ولحسابات إسرائيل، ولقدرة الأوروبيين على توفير غطاء سياسي وأمني لمشاركتهم.
لكن أهمية ما بعد القمة تكمن في كيفية استثمار الوقت الضائع، في ظل تأزم إقليمي مفتوح وغياب أفق قريب للتسويات؛ فانتظار الحل الكبير سيعني إبقاء لبنان معلقاً على تطورات لا يملك التأثير فيها.
قمة باريس شكلت فرصة لتنظيم مرحلة الانتظار ومنع تحولها إلى فراغ. وما يمكن البناء عليه هو إبقاء لبنان حاضراً عربياً وأوروبياً، وتحصين مؤسساته، وتجهيز الأرضية الداخلية لليوم الذي تنضج فيه التسوية، ففي زمن الانسداد، قد لا تكون السياسة صناعة الحل فوراً، بل منع الانهيار إلى حين يصبح الحل ممكناً.

