ربى اليوسف- خاص الأفضل نيوز
"أنجبت تنينًا".. جملة صادمة، تكفي لإثارة الفضول ودفع المستخدمين للبحث عنها في محركات التواصل الاجتماعي، لكنها قصة فيلم مولَّد بالذكاء الاصطناعي، نجح في استقطاب تعاطف الجمهور والتحول في الوقت نفسه إلى مادة رائجة ضمن "الترند".
يحكي الفيلم قصة أم تضع مولودًا غير بشري، تنينًا صغيرًا تُطلق عليه اسم "أمبير"، وبينما يتزايد خوفها عليه تقرر إخفاءه عن أهل القرية، خشية أن يكتشفوا أمره ويعرّضوه للخطر.
إنها فكرة سريالية، تعود بنا إلى عشرينيات القرن العشرين، وصاغ مصطلحها الشاعر الفرنسي غيوم أبولينير، وتتكون كلمة السريالية من شقين: Sur (بمعنى فوق) وRéalisme (بمعنى الواقعية)، لتشير إلى ما هو "فوق الواقع" أو "ما وراء الواقع".
كانت هذه الفكرة بمثابة الهوك التي بُنيَ عليها الفيلم، The Mother's Monster، أو "أم الوحش".. فيلم لم يحتج إلى نجوم عالميين أو ميزانية ضخمة، فالفكرة كانت وحدها كفيلة بإثارة أعمق المشاعر الإنسانية، عبر صراع بين أم تحاول حماية مولودها والحفاظ عليه، وبين مجموعة من الناس تراه وحشًا ويجب التخلص منه.
وبين الخوف والتعاطف، يطرح الفيلم سؤالًا فلسفيًا قابلًا للتأويل: هل الوحش هو من يبدو مختلفًا عنّا، أم أنّ الوحش الحقيقي هو الخوف الذي يجعلنا نرفض كل ما يشبهنا؟
لم تمضِ أيام قليلة على طرحه، حتى حصد الفيلم ملايين المشاهدات، وتصدّر محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي، ليتحول من مجرد تجربة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي إلى حديث الجمهور، ويفتح النقاش حول نوعٍ جديدٍ من الأفلام، ومستقبل صناعة السينما، بل والوظائف التي قد تتغير ملامحها مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى عالم الإنتاج.
حمل الفيلم عنوان She Gave Birth to a Dragon | The Mothers Monster، ونُشر في سبتمبر 2026 عبر قناة MYTHRA على يوتيوب، وبحسب وصفه، اعتمد العمل على صور وأصوات مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، فيما تؤكد نسخته الأصلية أنه ليس مقتبسًا من أي عمل أدبي أو سينمائي سابق، بل يقدّم نفسه كفيلم فانتازي من ابتكار أصلي.
وتدور أحداث الفيلم في قرية جبلية، أضافت إلى الفكرة بُعدًا بصريًا مؤثرًا وجاذبًا: تنين يحلّق فوق القرية، باعة لحم في أزقتها، ثلوج تغطي المكان، سقوف خشبية، وأم تعتني بمولودها، تضحي من أجله.. مشاهد تمنح الفيلم طابعًا حميميًا وإنسانيًا، وكأن المُشاهد أمام حكاية عائلية، رغم أن بطلها هذه المرّة: "تنينٌ صغير".
الفكرة صادمة وواضحة منذ الوهلة الأولى، ولا تحتاج إلى خلفية لفهمها، وربما كان هذا أحد أسباب انتشارها الواسع، الذي دفع آخرين إلى إنتاج قصص مستوحاة منها، وهو ما يطرح بدوره سؤالًا أوسع حول الملكية الفكرية للأفلام المولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وهل نحن أمام بديل جديد للأفلام التقليدية؟ هل تحل محلها، أم أنها ستبقى أداة إضافية إلى جانبها؟ أسئلة تفتح الباب أمام نموذج جديد لم تتضح ملامحه بعد، لكنه بدأ بالفعل.
هنا، نجاح الفيلم لا يقف وراءه مشاهير من طراز براد بيت، ولا ميزانية إنتاج ضخمة، بل قصة بسيطة واضحة من عنوانها التقت بأداة الذكاء الاصطناعي، فتمكنت خلال أيام من الاستحواذ على العقول والقلوب، وتحولت من فكرة خيالية إلى عمل جذب ملايين المشاهدات وفتح نقاشًا واسعًا حول مستقبل صناعة الأفلام، في وقت يتراجع فيه ارتياد دور السينما ويتوزع اهتمام الجمهور بين المنصات الرقمية والبث ومواقع التواصل.
بل لعل نجاحه الأكبر كان في ما هو أبعد من الذكاء الاصطناعي نفسه: في مشاعر الأمومة، والتضحية، والإنسانية، وفي فكرة تقبل الاختلاف. معانٍ ربما افتقدناها وسط عالم سريع ومزدحم بالمحتوى.. فاستطاعت قصة بسيطة عن أم وتنين أن تعيدها إلى الواجهة.
وعلى المستوى التقني، يركّز الفيلم على السرد الصوتي بدل الإغراق في الحوارات الطويلة، وهو ما ينسجم مع إيقاع المستوى السريع اليوم. ومع ذلك، كان التدخل البشري حاضرًا في كتابة السيناريو، وتصميم الشخصيات، واختيار اللقطات، وضبط الإيقاع.
ومع نمو التنين واكتشافه لقدراته، يتفاقم الصراع عندما يتوجه عدد من الأهالي إلى منزل المرأة للقضاء عليه، لكنهم يقتلون أمه.. مشهد يستحضر في قسوته قصة "رجم ثريا"، حيث تُدان امرأة ظلمًا بالزنا وتُقتل على يد أبناء قريتها.. فيعود للانتقام لها وينفث النار على القرية بأكملها. وفي المشهد الأخير، يقف إلى جانب قبر أمه الذي حفره لها، قبل أن يموت فوقه.
الفيلم ركب موجة الترند سريعًا، وتحول إلى حديث الجمهور وتعليقاتهم، فكتب البعض: "مين يحرق الدنيا عشانا؟"، وقال آخرون: "الناس هني الوحوش"، و"الله يعوضنا بتنين يحرق الدنيا كرمالنا". لكن التعليقات خرجت من حدود الفيلم إلى واقع غزة، حيث تمنى البعض لو أن هذا التنين كان حقيقيًا، لينتقم للأطفال الذين قُتلوا، وللأمهات اللواتي رحلن دون أن يأتي من ينتقم لهن.. أمنية يتمنى الجميع تحقيقها، فهل في هذه الارض تنين سيفعلها؟.

