محمد علوش _خاص الأفضل نيوز
يستصعب البعض التقارب المستجد بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، خصوصاً أن العلاقة بين الرجلين بدأت على إيقاع خلافات سياسية عميقة من التسمية الأولى، الى ملف سلاح حزب الله، وصلاحيات الدولة، وطبيعة التفاوض مع إسرائيل. لكن ما يجري اليوم يمكن فهمه من زاوية إعادة ترتيب التوازنات داخل السلطة، في لحظة يحاول فيها كل طرف حماية موقعه قبل الدخول في استحقاقات داخلية وإقليمية قد تعيد رسم قواعد اللعبة اللبنانية.
منذ انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية، بدا أن العلاقة بين بعبدا وعين التينة ستكون أقرب إلى التفاهم، بفعل الدور الذي أداه بري في تسهيل الاستحقاق الرئاسي، والتقاطعات التي جمعت الرجلين حول ضرورة إعادة انتظام المؤسسات. لكن هذا التقارب اصطدم تدريجياً باختلاف المقاربات حيال إدارة المرحلة الجديدة. فالرئيس عون يريد تكريس موقع رئاسة الجمهورية في قيادة عملية استعادة قرار الدولة، مستنداً إلى الشرعية الدستورية والدعم الخارجي، بينما ينظر بري إلى المرحلة باعتبارها انتقالاً سياسياً لا يمكن إدارته من دون مراعاة موازين القوى الداخلية، ولا سيما موقع الثنائي الشيعي وحسابات الجنوب.
من هنا، فإن التباعد بين الرجلين لا يعني بالضرورة انتقالهما إلى المواجهة، بقدر ما يعكس اختلافاً حول من يتخذ القرارات الكبرى ومن يتحمل مسؤولية نتائجها. فبري لا يريد أن يتحول مجلس النواب إلى مجرد جهة تصادق على خيارات تُتخذ خارج التفاهمات السياسية، كما لا يريد أن تُحمّل البيئة الجنوبية كلفة تنفيذ التزامات أمنية لا تقابلها خطوات إسرائيلية واضحة. أما عون، فيحتاج إلى إظهار قدرة الرئاسة على قيادة المسار السياسي والأمني والتفاوضي.
وسط هذه المعادلة، برزت مصلحة متبادلة بين بري وسلام. فرئيس الحكومة، الذي احتاج في بداية عهده إلى تثبيت استقلاليته عن القوى السياسية التقليدية، بات يحتاج اليوم إلى غطاء سياسي وتشريعي يسمح لحكومته بالعمل، خصوصاً في ملفات إعادة الإعمار والإصلاحات المالية والكهرباء والتعيينات. وفي المقابل، يدرك بري أن إضعاف الحكومة أو دفعها إلى أزمة مفتوحة لن يخدم مصالحه، بل قد يترك الجنوب أمام فراغ إضافي في المسؤولية الرسمية، ويزيد الضغوط الخارجية على لبنان.
ولذلك، يمكن فهم احتضان حركة أمل لزيارة سلام إلى النبطية، ثم اللقاء الإيجابي في عين التينة، باعتبارهما انتقالًا إلى تنظيم المصالح المشتركة. فبري يريد حكومة حاضرة في الجنوب تتحمل مسؤولية الناس والإعمار، وسلام يريد شريكاً يستطيع تسهيل التشريع وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار السياسي. لكن هذا التقاطع لا يلغي اختلافهما حول التفاوض مع إسرائيل أو مستقبل سلاح حزب الله.
ولكن ماذا عن موقع حزب الله داخل هذه التوازنات؟
ترى مصادر مطلعة أن بري يؤدي دوراً يسمح بإبقاء قنوات التواصل بين الحزب والحكومة مفتوحة، من دون أن يعني ذلك تبني الحزب خيارات سلام، مشيرة الى أن التقارب مع رئيس الحكومة يفتح مساحة لإدارة الخلافات حول الجنوب والإعمار وهذا أمر يستفيد منه كل الأطراف.

