ندى أندراوس - خاصّ الأفضل نيوز
في منطقة تعيد الحرب رسم طرق التجارة والطاقة فيها، يستعد لبنان لفتح بوابة جوية بقيت معطّلة لعقود؛ فقد أبلغ رئيس الحكومة نواف سلام مجلس الوزراء في جلسة الخميس، بتحديد الخامس عشر من تشرين الثاني المقبل موعداً لإقلاع أول رحلة تجارية من مطار الرئيس الشهيد رينيه معوّض في القليعات، على أن تُعلن تفاصيل جدول الرحلات ويُفتح باب الحجوزات في الأول من الشهر المقبل.
يتجاوز القرار تشغيل مرفق إلى سؤال "موقع لبنان الاقتصادي": هل يستطيع استعادة قدرته على وصل المنطقة بالعالم، بعدما استنزفت الأزمات مؤسساته وأضعفت ميزاته التنافسية؟
تكتسب الخطوة أهمية إضافية في ظل الصراع الأميركي الإيراني وتداعياته على المنطقة والاقتصاد العالمي. فاضطراب الملاحة وارتفاع كلفة الطاقة والشحن يدفعان الدول والشركات إلى تنويع مساراتها وتقليل اعتمادها على منافذ محدودة، وفي هذا المشهد، يمكن للبنان أن يطوّر دوراً في النقل والخدمات والتجارة، شرط أن يوفّر الاستقرار والموثوقية اللذين تحتاجهما حركة الأعمال.
ومن القليعات، تبرز إمكانية بناء تكامل اقتصادي بين المطار ومرفأ طرابلس والطرق والمناطق الصناعية. تكامل يتيح للشمال خدمة حركة المسافرين والبضائع، ويهيّئه للمشاركة في التبادل مع سوريا ومشاريع إعادة إعمارها مستقبلاً، متى توافرت الظروف. بذلك، يمكن أن تتحوّل المنطقة من مساحة تنتظر المساعدات إلى مركز يستقطب الاستثمار ويولّد العمل.
أما وطنياً، فإن توسيع المنافذ الجوية يعزّز قدرة الاقتصاد على استمرار التواصل مع الخارج، ويمنح المغتربين والسياح والمستثمرين خيارات إضافية. وتنتقل عائدات هذه الحركة إلى النقل والإقامة والتجارة والخدمات، بما يساعد على توزيع النشاط خارج العاصمة.
لكن استعادة الدور الاقتصادي تتطلب أكثر من إعادة فتح المرافق. فلبنان ينافس مراكز إقليمية تقدّمت في البنى التحتية والتمويل والتكنولوجيا، وفرصته تكمن في الجمع بين موقعه وكفاءاته وروابط اغترابه، ضمن اقتصاد منتج ومؤسسات قادرة على ضمان الحقوق وتسهيل الاستثمار.
هنا تظهر الدلالة السياسية للقليعات، فالمرفق الذي حالت حسابات النفوذ والعوائق السياسية والأمنية دون تشغيله في حقبات سابقة، يختبر اليوم قدرة الدولة على تحرير إمكانات البلاد من التعطيل.
لن يعوّض المطار وحده خسائر الانهيار، لكنه قد يفتح مساراً مختلفاً؛ ففي زمن الحرب، تحتاج المنطقة إلى مساحات آمنة للتواصل والعمل ، وإذا استطاع لبنان توفيرها، يصبح تشغيل القليعات خطوة في استعادة وظيفة اقتصادية إقليمية، تتجاوز انتظار التسويات إلى بناء مقوّمات التعافي.

