رنا عبود- خاص- الأفضل نيوز
يتسع نطاق الجوع الحاد في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، في مشهد باتت ترسمه ثلاثة عوامل متداخلة: الصراعات، والصدمات الاقتصادية، والضغوط المناخية. وبينما تتراجع قدرة الأسر على إنتاج الغذاء وتأمين دخلها، تحذر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) من أن نقص التمويل يهدد بتحويل الأزمات المؤقتة إلى خسائر يصعب عكسها.
وبحسب الفاو، يواجه أكثر من 45 مليون شخص في غزة ولبنان والسودان وسوريا واليمن مستويات من انعدام الأمن الغذائي الحاد تقع ضمن مرحلة الأزمة أو أسوأ منها. وتقول المنظمة إن النزاعات لا تقتصر آثارها على تدمير المنازل والبنى التحتية، بل تضرب أيضاً الأراضي الزراعية وشبكات الري والأسواق ووسائل الإنتاج، فتدفع الأسر التي تعتمد على الزراعة إلى فقدان مصدر الغذاء والدخل في آن واحد.
وتزداد خطورة المشهد مع فجوات التمويل. ففي السودان، يواجه 19.5 مليون شخص مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما لم تحصل خطة الفاو الطارئة للفترة 2026–2028 إلا على 23 في المئة من التمويل المطلوب. أما في اليمن، فيواجه 18.3 مليون شخص مستويات الأزمة أو أسوأ، بينما لم تؤمّن المنظمة سوى أقل من 1 في المئة من احتياجات خطتها لعام 2027، وفق البيانات التي عرضتها الفاو.
أمّا في لبنان، تأتي الأزمة الغذائية فوق سنوات من الانهيار الاقتصادي والمالي، وتداعيات انفجار مرفأ بيروت، والنزوح، ثم موجات التصعيد العسكري. وكانت البلاد قد بدأت تسجل بعض التحسن الهش في الأمن الغذائي، قبل أن يؤدي تصعيد آذار 2026 إلى قلب هذا المسار. وتشير أحدث بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) إلى أن نحو 1.24 مليون شخص، أي قرابة ربع السكان الذين شملهم التحليل، يواجهون بين نيسان وآب 2026 انعداماً حاداً للأمن الغذائي عند مستوى الأزمة أو أسوأ.
ولا يمكن فصل هذا الرقم عن الوضع الاقتصادي. فقد أشار البنك الدولي إلى أن الاقتصاد اللبناني كان قد حقق نمواً حقيقياً بنحو 4.2 في المئة خلال 2025، قبل أن يبدد تجدد الصراع جزءاً كبيراً من هذا التعافي الهش. ويتوقع البنك أن ينكمش الاقتصاد 6.4 في المئة خلال 2026، فيما يُرجح أن ترتفع معدلات التضخم إلى 17.5 في المئة، ما يضغط مجدداً على القدرة الشرائية للأسر.
وفي الريف، تبدو الصورة أكثر قسوة. فقد أفادت الفاو بتضرر أكثر من 22 في المئة من الأراضي الزراعية في لبنان، فيما أصبح نحو نصف الأراضي الزراعية في الجنوب والنبطية غير متاح للمزارعين. وفي محافظات الجنوب، يُتوقع أن يواجه ما بين 55 و65 في المئة من السكان في أقضية بنت جبيل ومرجعيون والنبطية وصور مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي.
وكانت الزراعة اللبنانية قد تحملت أصلاً خسائر كبيرة من جولات الصراع السابقة. فقد قدرت الفاو الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي بين تشرين الأول 2023 وتشرين الثاني 2024 بنحو 118 مليون دولار، فيما بلغت الخسائر الاقتصادية نحو 586 مليون دولار، مع احتياجات لإعادة الإعمار والتعافي تقدر بـ263 مليون دولار.
وتحتاج الفاو حالياً إلى 38 مليون دولار لمساعدة نحو 35 ألف مزارع وأسرة ريفية لبنانية متضررة من النزاع. وتؤكد المنظمة أن حماية الزراعة لا ينبغي أن تنتظر انتهاء الطوارئ، لأن إنقاذ المزارع اليوم يعني الحفاظ على مصدر غذاء ودخل وفرصة للتعافي غداً.
وهكذا، لا يبدو الجوع في المنطقة نتيجة نقص الغذاء وحده، بل نتيجة سلسلة متشابكة تبدأ بالحرب، مروراً بتدمير الإنتاج والأسواق، وصولاً إلى تراجع الدخل وارتفاع الأسعار. وفي لبنان تحديداً، يصبح الاستثمار في الزراعة وحماية سبل عيش المزارعين جزءاً من مواجهة الجوع، ومن إعادة بناء اقتصاد أنهكته الأزمات المتراكمة

