طارق الحجيري_خاص الأفضل نيوز
يترقّب أبناء البقاع الشمالي شتاءهم القادم بخوفٍ، الناس هنا يجاهدون لأجل البقاء. الأعمال متوقفة، والأسواق شبه خالية، المشاكل تتراكم، أفق الحلول مقفل. خصوصًا في المناطق والقرى الجبليّة، حيث يحل الشتاء كضيف ثقيل للعام الرابع تواليًا، يعيش سكّان البقاع الشمالي المعاناة نفسها، في ظل غياب الدولة وأجهزتها، وترهل ما تبقّى من مؤسّساتها. باستثناء حضورها الأمني.
وسط الضائقة الاقتصادية الخانقة، تشكّل مواد التدفئة ولوازمها "بعبعًا" يُرعب الناس، وأغلبهم بات يقبع تحت خط الفقر.
يتجاوز اليوم سعر برميل المازوت ال 320 دولارًا أمريكيًّا، ويتراوح طنّ الحطب ما بين ال220 دولارًا لطن الدفّ والكينا والصفصاف والحور، وال370 دولارًا لطنّ السنديان والمشمش.
وفي ظل غياب كهرباء لبنان، لجأ المواطن إلى حل الطاقة البديلة، لكنها لا تكفي سوى للإنارة المنزليّة، وغير قادرة على تشغيل نخ90آلات التدفئة الكهربائيّة.
سبب الارتفاع
شكّلت الحرب الأميركية الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، السبب المباشر لارتفاع سعر النفط عالميًا، أما في لبنان بحسب الخبراء الاقتصاديين، فإن عملية تسعير المحروقات في لبنان، تجري بطريقة غوغائية عشوائية، بلا أيّ أسس علمية، لأن النسبة الأعلى من سعر صفيحة البنزين وغيرها من المحروقات تذهب في اتجاهين، الأول ضرائب ورسوم قاسية إلى خزينة الدولة، والثاني أرباح مضاعفة في حسابات الكارتيلات وأصحاب محطات المحروقات..
ويشرح الخبراء الأمور الغريبة العجيبة في عمليات التسعير، ففي العام 2008 وصل سعر خام برنت الى 147 دولارًا للبرميل الواحد، وهذا أعلى سعر يصله، يومها لم يتجاوز سعر صفيحة البنزين حاجز ال 21 دولارًا في السوق المحلية. أما اليوم سعر برميل برنت قرابة 103 دولارات، وهو في حالة من التذبذب بين الارتفاع والتراجع ووصل سعر صفيحة البنزين الى 31 دولارًا !.
ويجزمون بأنّ المواطن اللبناني يتعرّض لعملية نهب منظّمة ودائمة، فإذا ما جزأنا كيفية توزيع سعر صفيحة المحروقات، نجد أنّ قرابة 12 الى 13 دولارًا من سعرها، يتم تقاسمها بين ضرائب، وأرباح كارتيلات، وحصص أصحاب محطات المحروقات. والفاعلون ليسوا مجهولين بالطبع، بل هم من أركان الدولة العميقة، قديمًا وحديثًا، ويستفيدون بشكلٍ مباشر من عشوائية عمليات التسعير والتلاعب بها.
رأس بعلبك والقاع صمود وخوف
من رأس بعلبك إلى جارتها القاع، وحيث يتجاوز ارتفاعهما عن سطح البحر ال 1621 مترًا، تنخفض فيهما درجات الحرارة بشدّة، وتلامس الصفر معظم أوقات الشتاء.
يخبرنا الناشط الاجتماعي ابن بلدة القاع حكمت عاد أنّ "الأزمة الاقتصاديّة التي بدأت خريف العام 2019، إضافة إلى العدوان الإسرائيلي القائم منذ ثلاث سنوات، مع ما تعانيه منطقتنا من حرمان وإجحاف سابقين" كلها عوامل باتت تشتد كالحبال على أعناق الناس بشكل هائل وقاتل.
ويلفت عاد في حديث إلى موقعنا أنّ "رواتب الموظّفين، في القطاعين العام والخاص، وفي كافة المهن، تآكلت قدرتها الشرائية. في ظل تفاقم المشاكل وتضاعف الأعباء المعيشية" ومع غياب الحلول، أضحى المواطن "القاعي" يعيش حال قلق وتوجّس على مصيره خلال الشتاء القادم.
ويشرح بالتفصيل واقع بلدة القاع "غالبية سكان بلدتنا في فصل الشتاء هم من كبار السن، والمزارعين، ومتقاعدي الأسلاك الأمنية والعسكرية"، وهذه الفئات عادة ما تكون من ذوي الدخل المحدود، ومنهم بلا دخل يعيشون على عاتق أولادهم ونفقتهم.
ويؤكد عاد أنّ متوسط حاجة البيت من مازوت التدفئة سنويًا حوالي 800 ليتر، وبحسب السعر الحالي تُقدَّر قيمتها بمئة وعشرين مليون ليرة، وهذه مبالغ صعب على الناس تأمينها دائما.
من جهتها ابنة بلدة رأس بعلبك الناشطة ماريبيل الدروبي ترى أن المواطن يعاني خلال فصل الشتاء من" أعباء معيشية متزايدة في ظلّ الارتفاع المستمر في أسعار المحروقات ووسائل التدفئة، لا سيّما أنّ منطقتنا تُعرف بشتائها القارس". ما يجعل التدفئة، وهي من أبسط مقوّمات الحياة الكريمة، عبئًا ماديًا ثقيلًا على كاهل العائلات، في ظلّ تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة. لذا "من الضروري اتخاذ إجراءات جدّية للتخفيف من معاناة المواطنين، وضمان حقّهم في مواجهة برد الشتاء بكرامة وأمان".
وتطالب الدروبي الدولة، والبلديات، والجمعيات الأهلية المحلية، النظر بحكمة إلى هذا الموضوع والتصرف سريعًا لأننا عمليًا أصبحنا على أبواب الشتاء.
من خوفٍ إلى آخر
يتنقّل اللبناني في البقاع الشمالي بين خوفٍ وآخر، فبعدما تجاوز "قطوع" المدارس وأقساطها، يعيش اليوم القلق والخوف على مصيره خلال الشتاء القادم.
يقول مدير جمعية Peace of Art الاستاذ ابراهيم يحي ابن بلدة العين البقاعية إن "ارتفاع أسعار المحروقات لا يمكن النظر إليه كارتفاع في سعر مادة أساسية فقط، بل كعامل يؤثر على كل تفاصيل حياة الناس".
ويرى يحي في حديثه ل 'الأفضل نيوز" أنّ للبقاع الشمالي "خصوصية في فصل الشتاء، بسبب البرد والحاجة الماسة إلى التدفئة". فعندما يرتفع سعر المازوت، تصبح التدفئة بالنسبة للكثير من العائلات مسألة قدرة مادية، وليس مجرد خيار. و"العائلة التي لا تستطيع تأمين المازوت قد تضطر إلى تخفيض ساعات التدفئة، أو الاستغناء عن احتياجات أخرى أساسية مثل الغذاء والدواء".
ومن موقعه كمدير جمعية Peace of Art، يؤمن يحي أنّ "دور المجتمع المدني ليس فقط تقديم المساعدة عندما تقع الأزمة، وإنما أيضاً الاستماع إلى الناس، فهم احتياجاتهم، وخلق مساحات للحوار والعمل المشترك".
أما الحل فبنظره يجب أن يكون جماعياً: تعاون بين الدولة والبلديات والمنظمات والمجتمع المحلي والقطاع الخاص، مع إعطاء الأولوية للعائلات الأكثر هشاشة، والعمل على برامج دعم للتدفئة والنقل، وفي الوقت نفسه التفكير بحلول أكثر استدامة في مجال الطاقة.
البساتين في خطر
بلدة عرسال هي الأكثر برودة في منطقة البقاع الشمالي، بسبب ارتفاعها عن سطح البحر المتراوح بين 1500 و2500 مترًا. تكتسي جرودها بأكثر من مليوني شجرة كرز ومشمش يترّقب أصحابها مصيرها بقلق وخوف.
في حديث مع رئيس لجنة الزراعة في بلدية عرسال أحمد الفليطي، يتخوّف أن يلجأ الناس بسبب الأزمة القائمة الى القطع الجائر لأشجارهم، ناهيك عن اعتداءات تتعرض لها البساتين من خارجين على القانون، ما يضعنا أمام "خطرٍ بيئي كبير وخطير، قد يأخذنا إلى التّصحر الكامل، وفي ظل غياب مأموري الأحراش، يكثر خطر هذه الاعتداءات على الأشجار ". فبلدتنا كانت تعتمد سابقًا على نواطير للأراضي والجرود "ولم يعد هناك إمكانية لاعتماد هذه الطريقة، بسبب التصنيف الأمني العام، الذي لا تزال البلدة تعاني منه منذ أحداث المرحلة السابقة، وما رافقها من تصرفات ظالمة على البلدة وأهلها".
والخطر البيئي المحتمل بحسب الفليطي، قد "يطال غطاءً نباتيًا مهدّدا بالانقراض أصلا، كالإجاص البري، والزعرور، واللوز، والسمّاق، وما تبقى من أشجار اللزاب والديشار، وأيضا الشجيرات الصغيرة مثل البلان والبربريس". وغيرها من النباتات التي تساهم في تثبيت التربة ومنع انجرافها، إضافة إلى التنوع الحيوي التي تتميز به البلدة.
ويحذّر الفليطي من خطر "استحالة إعادة هذا الغطاء النباتي كما كان" ولعل الأخطر هو عدم القدرة على مراقبة ومحاسبة المخربين، وتعذر تقديم أي مساعدة للأهالي، وخاصة المزارعين منهم. وكأن هؤلاء "لم يكن ينقصهم سوى ارتفاع سعر المازوت، المادة الأساسية في إنتاجهم الزراعي، يقابلها انخفاض كبير في أسعار المنتجات الزراعية، وخاصة الخضار" ما يُنذر بشتاء شاقٍ جدا وصعب.
بين القلق والأمل
غريب عجيب أمر اللبنانيين، فهذا الشعب الذي ينقسم عاموديًا، يفترق في كلّ شيء، لا تجمعه سوى الأزمات، لأنّها تطال كلّ مناطقه وشرائحه دون تمييز، فمدينة زغرتا الشمالية لا يختلف جليدها عن الهرمل، ولا يتمايز طقس بشرّي عن طقس مدينة الشمس بعلبك ولا سواها من المناطق الجبليّة الباردة.
يختصر مأساة البقاعيين، ربّ إحدى الأسر المتعّففة مُؤثِرًا عدم ذكر اسمه ”والله العظيم ما معي حق مازوت ولا حطب، عم لملم دواليب وكرتون ودف وثياب عتيقة وبلاستيك، وكلّ شي يشعل ويعمل نار". ثم يسأل بنبرة حزينة "أين الدولة؟ أين وزارة الشؤون الاجتماعيّة؟ أين برامجها لذوي الدخل المحدود؟ لمن تعطي بطاقاتها ومساعداتها؟ وهل يستفيد منها الفقراء فعلًا، أم الميسورون المحظيّون؟“.
شتاء البقاعيّين هذا العام، ليس فصل السهرات القروية والعائلية، ولا فصل انتظار الصغار لحكايات جدّاتهم، ولا حتى فصل سهرات لعب الورق الحماسية والعامرة بالشاي والبطاطا المشوية على سطح المدافئ، بل هو قبل بدايته أضحى فصل القلق والخوف من الآتي القريب.

