ندى أندراوس - خاص الأفضل نيوز
تضع كثافة الزيارات العربية والدولية لبنان أمام اهتمام خارجي يتجاوز إعلان التضامن إلى محاولة التأثير في شروط المرحلة المقبلة. فزيارة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وحضور وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا، وترقّب زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، تتقاطع عند سؤال أساسي: كيف يمكن تثبيت الاستقرار اللبناني قبل أن تفرض تطورات المنطقة وقائع يصعب احتواؤها؟
لا تكفي هذه الحركة للجزم بوجود مبادرة موحّدة أو تسوية ناضجة. لكن يمكن قراءتها بوصفها تعبيراً عن إدراك متزايد لخطورة ترك لبنان معلّقاً بين مواجهة لم تُغلق احتمالاتها، ودولة مطالبة باستعادة سلطتها، واقتصاد يحتاج إلى ضمانات تتجاوز المساعدات الطارئة. ويتقدّم الجنوب هذه الأولويات، مع استمرار التهديدات الأمنية والغموض المحيط بمستقبل الحضور الدولي.
في هذا السياق، تكتسب زيارة لاكروا دلالتها من اقتراب الاستحقاق المتصل بمستقبل اليونيفيل، والحاجة إلى حسم الترتيبات اللاحقة. فالبحث يتناول الجهة التي ستراقب الميدان وتوثّق الخروقات وتحافظ على قنوات الاتصال. وقد دعا المسؤول الأممي إلى بدء مفاوضات جدية في مجلس الأمن، فيما لا تزال مقترحات استمرار الوجود الأممي تنتظر القرار. وعليه، تبدو الزيارة محاولة لاستباق فراغ قد يوسّع مسؤوليات الجيش من دون أن يوفّر له ضمانات موازية.
أما الزيارة القطرية، فتجمع بين تثبيت المرجعية السياسية للدولة واستكشاف إمكانات دعمها اقتصادياً. وقد شملت المباحثات المعلنة الطاقة والاستثمار والاقتصاد والمشاريع المشتركة، بالتوازي مع تأكيد دعم المؤسسات الوطنية والجيش. وهنا تتجاوز الدلالة قيمة أي مساعدة منفردة: فإعادة وصل لبنان بمحيطه العربي تتيح توسيع خياراته، وتمنح حكومته مساحة للتحرك، شرط تحويل العلاقات السياسية إلى برامج تنفيذية واضحة.
وتتيح هذه المقاربة قراءة البعد الاقتصادي باعتباره جزءاً من تثبيت الاستقرار. فالكهرباء والبنى التحتية وإعادة الإعمار ترتبط بقدرة الدولة على استعادة ثقة المواطنين والمستثمرين. غير أن الانتقال من التعهّد إلى الاستثمار يحتاج إلى أمن مستدام، وقواعد شفافة، وإصلاحات مالية ومصرفية تضمن الحقوق وتحدّد المسؤوليات. لذلك، يصعب توقّع تدفّق واسع للرساميل لمجرّد ارتفاع وتيرة الزيارات.
وتندرج زيارة بارو المرتقبة ضمن هذا المشهد، بما تحمله فرنسا من اهتمام باستقرار لبنان وبمستقبل الترتيبات الجنوبية. كما أن اجتماع المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان مع المسؤولين القطريين في الدوحة، في الثامن من تشرين الأول، يثبت وجود تشاور بين الجانبين، من دون أن يكفي لإثبات اتفاقهما على خريطة طريق مشتركة.
إقليمياً، يزيد التصعيد من قيمة التحرّك الوقائي. فخشية انتقال أزمات المنطقة إلى الداخل اللبناني تجعل دعم الدولة مصلحة تتجاوز حدود لبنان. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم تزامن المسارات السياسية والأمنية والاقتصادية: احتواء احتمالات الحرب، ومساندة المؤسسات، وإبقاء باب التعافي مفتوحاً قبل أن تضيق الخيارات.
لكن المعيار الفعلي يبقى ما تستطيع بيروت انتزاعه من نتائج: ضغط لوقف الاعتداءات، وترتيبات تمنع انكشاف الجنوب، ودعم قابل للتنفيذ للجيش والاقتصاد. فالاهتمام الخارجي يوفّر فرصة، فيما تتوقف الاستفادة منها على قدرة السلطة على تحديد أولوياتها وتوحيد موقفها. وبين إدارة الأزمة وتأسيس الاستقرار، يُختبر اليوم مضمون هذه الزيارات وحدود الرهان عليها.

