د. علي دربج ـ خاص الأفضل نيوز
قرابة مليار يورو يوميًّا: بهذا الحجم يقترب عجز تجارة السلع الأوروبية مع الصين، وفق بيانات مكتب الإحصاء التابع للاتحاد الأوروبي «يوروستات». رقم يختصر مفارقة أكبر من التجارة: فالسوق العالمية التي راهن الغرب على استخدامها لنشر نموذجه، ساعدت في تقوية منافسه.
أما المفاجأة الكبرى، فجاءت من أوكرانيا، عندما انكشف الوجه الآخر للرهان: الترابط الاقتصادي لم يمنع الحرب، والعقوبات لم تُسقط روسيا، والتحالف مع واشنطن لم يعد ضمانة ثابتة. فكيف انتهى الوعد بانتصار النموذج الغربي إلى اختبار قدرته على الصمود؟
السوق قوّت المنافس
في قراءته المنشورة في موقع «آسيا تايمز»، يعيد الكاتب يان كريكه الحكاية إلى وصفة اقتصادية حملها الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر: ضرائب أقلّ، وخصخصة، وأسواق مفتوحة. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تحوّلت الوصفة إلى تصوّر لمستقبل العالم. التجارة تُقرّب الدول، والتقارب الاقتصادي يجعلها أكثر اعتدالًا، والديمقراطية تلحق بها.
من هنا، اكتسبت أطروحة فرانسيس فوكوياما عن «نهاية التاريخ» جاذبيتها.
لكن مهلًا، حينها، لم يكن المقصود توقّف الأحداث، بل انتصار الديمقراطية الليبرالية بوصفها الوجهة النهائية للتطوّر السياسي. غير أنّ الصين اندمجت في الاقتصاد العالمي، وراكمت القدرة الصناعية والتكنولوجية، من دون أن تتبنّى النموذج السياسي الغربي.
أكثر من ذلك، تستورد أوروبا سياراتها الكهربائية وألواحها الشمسية وبطارياتها من الصين، بينما تكافح صناعات أوروبية للمنافسة. صحيح أنّ السوق اتّسعت، لكنّ النتائج لم تتّبع الخريطة المرسومة لها.
روسيا تفتح بابًا آخر
في الحقيقة، اصطدم الرهان على عزل موسكو بقدرة الاقتصاد العالمي على فتح مسارات بديلة. فالهند، التي كانت تشتري قليلًا من النفط الروسي قبل 2022، أصبحت من كبار زبائنه، وبلغت التجارة الروسية الصينية مستويات قياسية.
ومع أنّ روسيا لم تخرج بلا خسائر ــــ فقد واجهت التضخّم ونقص العمالة ــــ إلّا أنّ الضرر لم يتحوّل إلى الانهيار المتوقّع. والأكثر أهمية أنّ دعم بكين لموسكو تحكمه مصلحة استراتيجية: فهي لا تريد روسيا مفكّكة وضعيفة تتيح تمدّد النفوذ الغربي بمحاذاة حدودها الشمالية.
هكذا، واجه الضغط الغربي حسابات أمنية وتجارية تتجاوز الغرب نفسه.
ترامب يفكّك الوصفة
ضع في اعتبارك أنّ الضربة للمشروع جاءت أيضًا من داخله. وعلى الرغم من أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب احتفظ بسياسة خفض ضرائب الشركات وتخفيف القيود، وهما من صميم إرث ريغان، فإنّه واجه التجارة الخارجية بالرسوم، وتعامل مع التحالفات بمنطق الكلفة والمقابل.
ويسمّي بعض الباحثين هذا النهج «النيوليبرالية القومية»: تحرير السوق داخليًا، وإقامة الحواجز خارجيًا. وبذلك، انفصلت عناصر كان يُفترض أن تتحرّك معًا؛ حرية الاقتصاد لم تعد تعني انفتاح الحدود، والشراكة الأمنية لم تعد بمنأى عن المساومة.
أوروبا أمام الفاتورة
بالمقابل، خسرت أوروبا الغاز الروسي الرخيص، وواجهت منافسة صينية شرسة وضغوطًا لزيادة الإنفاق الدفاعي. ففي ألمانيا، باتت مصانع ارتبطت بالتفوّق التصديري موضع بحث لتحويلها إلى إنتاج الأسلحة.
وهنا تصبح الفاتورة سياسية أيضًا. فالناخب الذي يواجه الغلاء والقلق على وظيفته قد يبحث عمّن يعاقب به الأحزاب الحاكمة. وحلول حزب «البديل من أجل ألمانيا» ثانيًا في انتخابات 2025 يكشف حجم التحوّل، وإن لم تكن الحرب سببه الوحيد.
في المحصّلة:
لا يعلن الكاتب كريكه موت النظام الليبرالي كلّه، بل سقوط الثقة بأنّه سيتوسّع تلقائيًا. وأوكرانيا، التي تقاوم وتدفع الثمن الأكبر، كشفت حدود هذا الوعد: يمكن للسوق أن تقوّي الخصم، وللحليف أن يغيّر حساباته، وللتاريخ أن يواصل سيره خارج التوقّعات الغربية.

