ربى اليوسف - خاصّ الأفضل نيوز
ما زلتُ أحب قطاف الزيتون، وكأنه طقسٌ روحي ينزلُ على قلبي ليطهره، من شوائب الأعوام، وربما كانت شجرة الزيتون مصدرًا لثروة مملكة مينوس. أما لقلبي، فهي الثروة بحد ذاتها.
ما زلتُ أذكر الأيام التي خلت، وأنا أعتلي أرق الأغصان وأهزها، لقطاف حبة زيتون قد تكلفني حياتي.. ذلك الطقس الذي يجمع العائلة على عمل واحد يعيد وصل ما انقطع بيننا وبين جذورنا، فيما تتساقط حبات الزيتون على "الشوادر" كالمطر. تلك الاستراحات القصيرة في الظل، الوجوه التي يزينها التعب والعرق "الحلال".. أرغفة الخبز والزعتر، والزيتون وإبريق الشاي الذي تنعكس عليه وجوهنا، كأنه مرآة صغيرة، لأشياء أكثر دفئًا وسحرًا تقربنا من عالم "الأمير" و"السندريلا".
إنه موسم تبشيري، يحمل في طياته وعدًا بالتجدد، ولعله لهذا السبب يذكرني بمشروع "MOPREP" في كاليفورنيا، الذي يسعى إلى الحفاظ على أشجار الزيتون المرتبطة بالبعثات التبشيرية وترميمها وصون إرثها الثقافي، باعتبارها جزءًا من الهوية والذاكرة، لا مجرد مورد اقتصادي.
وكأنه مسحة مقدسة من "الميرون"، الزيت المكرس، على رؤوس المتعبين في الأرض، الذين يباركون التراب بأيديهم، فتتشابك كصلاة صامتة لا تحتاج إلى كلمات كي تبلغ السماء.ولعلّ للزيت سرًّا يتجاوز ما تمنحه المعاصر من خيرات؛ فمنذ القدم ارتبط بالعناية بالجسد، وفي الكتاب المقدّس صار الدهن بالزيت، مقرونًا بالصلاة، علامةً على الرجاء بالشفاء. وهنا تستحضرني الآية من رسالة يعقوب: "أَمَرِيضٌ أَحَدٌ بَيْنَكُمْ؟ فَلْيَدْعُ شُيُوخَ الْكَنِيسَةِ فَيُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيَدْهَنُوهُ بِزَيْتٍ بِاسْمِ الرَّبِّ. وَصَلَاةُ الإِيمَانِ تَشْفِي الْمَرِيضَ، وَالرَّبُّ يُقِيمُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ خَطِيَّةً تُغْفَرُ لَهُ".
وللزيتون أسماءٌ، كانت أمي تتلوها على مسامعي، كأنها تُعدد أسماء أفراد عائلة لا يجوز لي أن أنساهم: البلدي والفرنسي، وأسماءٌ أخرى تتبدّل من قرية إلى أخرى، وقد يختلف معناها من أرضٍ إلى أرض. بعضها صنفٌ معروف، وبعضها اسمٌ محليّ تناقلته الألسن جيلًا بعد جيل، حتى صار جزءًا من ذاكرة المكان. وربما لم تكن أمي معنيةً بالفروق بين الأسماء بقدر ما كانت معنيةً بأن تورّثني إياها، فالأسماء التي تحفظها الأرض لا تسكن الكتب وحدها، بل تعيش في أفواه الفلّاحين، وفي حكايات الأمهات، وفي الذاكرة التي تستعيدها كلما عاد موسم القطاف.
وإن كانت التجاعيد علامة عجز نسارع إلى إخفائها، فإنّ "ثرومبا ثاسوس"، وهو صنف يوناني من الزيتون يُترك لينضج على الشجرة حتى يسود ويتجعد. ومع فقدانه جزءًا من رطوبته، تنكمش قشرته، وتخف مراراته، ثم يأتي الملح ليركّز نكهته، ويمنحها غنىً وتميزًا.. وهذا دليلٌ على أنّ بعض التجاعيد ليست علامة ذبول، بل دليل نضج وأنّ ما نعدّه نقصًا قد يكون، في الحقيقة، سرّ التميّز.
وما يميزني، أنني ألتقط التفاصيل كفتاة مرت يومًا بـ "كنوسوس" وظلت في ذاكرتها جدارية الزيتون من الفن "المينوي" أو المينوسي. لذلك في كل حرب، أخبئ قلبي في شقوق الجدارية وأمد يدي إلى حنة الزيتون، لعل الموت يخطئ في قراءة لوني وأنبت في مكان آخر وراء الجدار كزيتونة صغيرة في حضن زيتونة كبيرة تناجيني بأهازيج القطاف
إمي يا إمي بدي البيروتي
الفلاح بيقول لي اشتغلي لتموتي
أمه بتقول لي عالدار لا تفوتي
أبوه بيقول لي: امشقي الزيتونا. حتى إذا كبرتُ، ناجيتُها بما علّمتني إيّاه من أهازيج، لعلّ صوتي يعبر الجدار ويبلغ الأرض التي اقتُلعتُ منها. وأنا لا أقتلع، أنا زيتونة لله، ولي في السماء حارس وعلى الأرض حراس.

