د. علي دربج ــ خاصّ الأفضل نيوز
قد تسأل الذكاء الاصطناعي عن غزة، فيجيبك بمعلومات من موقع يبدو بحثيًا مستقلًا، بينما تقف وراء مواده حملة مرتبطة بالحكومة الإسرائيلية، لذلك يصبح نشر 124 «ورقة بحثية»، تجاوزت 560 ألف كلمة خلال تسعة أيام، أكثر من نشاط إعلامي: محاولة للوصول إلى المصادر التي تستند إليها الآلة عندما تجيبك.
كشف تحقيق لصحيفة «الغارديان»، تناولته مجلة «+972»، أنّ «معهد هانوفر للسياسات العامة» نشر هذه المواد عن إسرائيل وفلسطين، من دون أسماء باحثين، وظهر موقعه مطلع آب، بلا عنوان فعلي أو كيان قانوني معلن.
وربط التحقيق المعهد بشركة إعلامية أميركية اسمها «بيرو». وأظهرت وثائق مودعة لدى وزارة العدل الأميركية أنّ الشركة وزّعت مواده لحساب شركة إعلانات ألمانية تعمل بدورها مع وكالة الإعلان الحكومية الإسرائيلية، صلة تخفيها الواجهة البحثية.
أبحاث تجيب قبل أن تسأل
بين السادس والرابع عشر من آب، نشر المعهد مواده بكثافة؛ منها 73 مقالًا خلال يومين فقط، وصيغت العناوين لتشبه أسئلة المستخدمين: هل ترتكب إسرائيل إبادة في غزة؟ هل تُجوّع الفلسطينيين؟ وهل معاداة الصهيونية معاداة للسامية؟
المثير في الأمر أنّ النصوص استندت إلى الأمم المتحدة والبنك الدولي ومنظمات حقوقية، إلى جانب مصادر فلسطينية وإسرائيلية. لكنّ المعلومات عُرضت، بحسب التحقيق، بطريقة تضعف الانتقادات لإسرائيل وتشكّك في الاتهامات ضدها.
هنا تصبح المسألة أوضح: ذكر مصدر موثوق لا يجعل النص محايدًا بالضرورة، فاختيار المعلومات وطريقة شرحها قد يخدمان رواية محدّدة، حتى عندما تكون المراجع معتبرة.
مواقع تُصنع لتدخل الإجابة
لم تكتفِ الشركة الأميركية بتوزيع المقالات؛ فقد استُخدمت خدمة تقنية لدراسة كيفية اختيار منصّات الذكاء الاصطناعي مصادرها، وتعرض الشركة أصلًا إنتاج نصوص تناسب هذه المنصّات ونشرها على مواقع خارجية.
وفي حملة أخرى، أنشأت شركة أسّسها براد بارسكيل، المدير السابق لحملة ترامب، تسعة مواقع مؤيّدة لإسرائيل، وفق «أكسيوس» في نيسان 2026. وربطت وثائق التسجيل الأميركية عملها باتفاق مع الخارجية الإسرائيلية.
واختبرت شركة أخرى أيّ النصوص تملك فرصة أكبر للظهور في الإجابات. وكانت خلاصتها أنّ إرفاق المصادر والكتابة بأسلوب تقريري يساعدان المحتوى على الوصول. أي إنّ المعركة تتجاوز إقناع الإنسان بالمقال، إلى جعل الآلة تختاره مرجعًا.
وصلت المواد… لكن ماذا يثبت ذلك؟
في الواقع، أظهر تحقيق نشره «دروب سايت ــــ موقع صحافي مستقل متخصّص في تحقيقات الحروب والسياسة ـــ في تموز نحو 85 % من قرابة 900 صفحة وعنوان إلكتروني للشبكة داخل أرشيف يُستخدم لجمع بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي،
لكن وجودها في الأرشيف لا يثبت أنّ نموذجًا محدّدًا تعلّم منها، الدليل المباشر جاء من الإجابات نفسها: استشهدت منصّات «بيربليكسيتي» و«كوبايلوت» و«جيميني» بمحتوى الشبكة، بل تصدّر أحد مواقعها مصادر «بيربليكسيتي» عند سؤالها عن فوائد التعاون العسكري الأميركي ـــ الإسرائيلي.
مليار دولار… ومعركة الثقة
ضع في اعتبارك أن هذه المحاولات، تندرج ضمن حملة أوسع، فبحسب دراسة لـ"معهد كوينسي"، تجاوز الإنفاق الحكومي الإسرائيلي على الدبلوماسية العامة عالميًا مليار دولار منذ السابع من تشرين الأول 2023. ويشمل المبلغ الضغط السياسي والإعلانات والمؤثّرين والوفود، وليس الذكاء الاصطناعي وحده.
في المحصلة:
وصلت مواد الحملة إلى بعض إجابات الذكاء الاصطناعي. وقد يثق المستخدم بهذه الإجابات، من دون أن يعرف أنّ بعض مصادرها مرتبط بدعاية ممولة إسرائيليًا.

