طارق ترشيشي - خاص الأفضل نيوز
تضع نتائج انتخابات الكنيست إسرائيل أمام مأزق سياسي مفتوح، في ظل عجز معسكري بنيامين نتنياهو ومنافسه غادي آيزنكوت عن تأمين الغالبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، وصعود الأحزاب العربية إلى موقع قد يجعلها شريكًا حاسمًا في تحديد هوية السلطة المقبلة. وبين خيار التفاهم مع النواب العرب، واحتمال تشكيل حكومة وحدة وطنية، تبرز تسريبات عن صيغة تتيح لنتنياهو البقاء عامين إضافيين في رئاسة الوزراء، قبل إفساح المجال أمام آيزنكوت، مع طرح انتقاله لاحقًا إلى رئاسة الدولة.
وبحسب ما أورده موقع "والاه" نقلًا عن مصدر في المعارضة، لا تزال هذه الصيغة في إطار التصورات المتداولة، ولا تستند إلى اتفاق معلن بين الرجلين. لكنها تكشف عن أحد المخارج المطروحة لتفادي انتخابات جديدة، في وقت تشير التقديرات الانتخابية إلى أن أيًّا من المعسكرين لا يملك، بمفرده، المقاعد الـ61 اللازمة لضمان الغالبية في الكنيست المؤلف من 120 عضوًا.
الأحزاب العربية
مع استمرار فرز الأصوات، برزت الأحزاب العربية بوصفها إحدى أهم أوراق التفاوض، بعدما أشارت التقديرات إلى احتمال حصولها على ما بين 16 و19 مقعدًا. وأعلنت "القائمة المشتركة" استعدادها للتعاون مع المعارضة من أجل إنهاء حكم نتنياهو، حتى من دون المشاركة في ائتلاف حكومي.
غير أن هذا العرض وضع معسكر آيزنكوت أمام اختبار سياسي صعب. فبينما يدفع يائير غولان، زعيم حزب "الديموقراطيين"، نحو التفاوض مع الأحزاب العربية، لا يزال داخل المعسكر تردد بشأن الاعتماد على دعمها لتشكيل حكومة بديلة، رغم أن استبعاده قد يفتح الطريق أمام بقاء نتنياهو في السلطة.
وتزداد المفارقة وضوحًا في ظل تشكيك نتنياهو وحزب "الليكود" في نزاهة أصوات عربية، على خلفية مزاعم مخالفات انتخابية لم تُعرض أدلة علنية حاسمة تثبتها، وفق التقارير الإعلامية. وفي المقابل، ترى قيادات عربية أن النتائج تعكس وزنًا سياسيًا لا يمكن تجاهله، وأن إطاحة الحكومة الحالية تمثل أولوية في المرحلة المقبلة.
حكومة وحدة أم تناوب؟
في موازاة هذا المسار، يطرح سيناريو حكومة الوحدة الوطنية احتمال إعادة تركيب الائتلاف، بما قد يشمل إخراج حزب "القوة اليهودية" بقيادة إيتمار بن غفير، وربما حزب "يهدوت هتوراه"، مع إمكان الإبقاء على "شاس" و"الصهيونية الدينية". لكن هذه التصورات لا تزال افتراضية، ولا تعني أن الأحزاب المعنية مستعدة لقبولها.
وإذا كان نتنياهو يملك هامش المبادرة، فإن آيزنكوت يواجه معضلة لا تقل صعوبة: كيف يبرر التفاهم مع رئيس حكومة خاض حملته الانتخابية على أساس إبعاده عن السلطة؟ كما أن أي اتفاق على تقاسم سنوات الحكم يحتاج إلى ضمانات واضحة بشأن انتقال رئاسة الوزراء، واستمرار الائتلاف، والبرنامج السياسي للحكومة، لا مجرد تفاهم على توزيع المناصب.
وتبرز هنا ملفات خلافية ثقيلة، في مقدمها تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من تشرين الأول 2023، فضلًا عن التباينات بشأن سياسات الحكومة والحرب في غزة. وهي قضايا يصعب تجاوزها بمجرد الاتفاق على صيغة لتقاسم السلطة.
الرئاسة ليست مخرجًا
أما طرح انتقال نتنياهو إلى رئاسة الدولة، فيصطدم باعتبارات دستورية وسياسية. فرئيس إسرائيل يُنتخب من أعضاء الكنيست باقتراع سري لولاية واحدة مدتها سبع سنوات، ما يعني أن أي تفاهم حزبي يمكن أن يدعم ترشيحه، لكنه لا يضمن انتخابه.
ويطرح التوقيت بدوره أسئلة إضافية، إذ بدأت ولاية الرئيس الحالي إسحاق هرتسوغ في تموز 2021، وينتظر أن تنتهي في تموز 2028. لذلك، فإن الحديث عن بقاء نتنياهو عامين إضافيين في رئاسة الحكومة، ثم انتقاله إلى الرئاسة، يحتاج إلى جدول زمني واضح ينسجم مع موعد الاستحقاق الرئاسي وإجراءاته.
وفي الوقت الذي دعا هرتسوغ الأحزاب إلى إبقاء خياراتها مفتوحة لتجنب انتخابات جديدة، تعيد الأزمة الراهنة إلى الأذهان سنوات الانسداد السياسي بين 2019 و2022، حين شهدت إسرائيل خمس جولات انتخابية من دون نجاح مستدام في إنتاج غالبية حكومية مستقرة.
في المحصلة، لا يتعلق النزاع الحالي بمن يتولى رئاسة الحكومة فحسب، بل بطريقة بناء غالبية قابلة للحياة، وبالثمن السياسي الذي سيكون كل معسكر مستعدًا لدفعه. وقد تمنح الأحزاب العربية المعارضة فرصة لتغيير موازين القوى، فيما تتيح حكومة الوحدة لنتنياهو مخرجًا يحافظ من خلاله على حضوره السياسي. لكن بين الخيارين، تبقى كل السيناريوهات رهنًا بمواقف الشركاء، ونتائج الفرز النهائية، وقدرة الخصوم على تحويل حسابات المقاعد إلى اتفاق سياسي قابل للتنفيذ.

