أكرم حمدان- خاص "الأفضل نيوز"
استوقفني، لا بل ترك لدي أسئلة واستفسارات كثيرة، استخدام عبارة "القائمة العربية المشتركة" و"القائمة الموحدة" و"الأحزاب العربية" ، خلال انتخابات الكنيست الإسرائيلي التي جرت منذ أيام والتركيز على حجم الأصوات التي نالتها هذه الأحزاب وقدرتها على التأثير والفعل، وغير ذلك، وما استفزني هو غياب عبارة أو كلمة "فلسطيني" عن كل الروايات والتعليقات والتحليلات، ما دفعني إلى البحث عن الأسباب والحيثيات لاستخدام تلك التوصيفات وتغييب أصحاب الأرض الحقيقيين.
وبمعزل عن نتائج الانتخابات وعدد المقاعد المهم ، التي نالتها هذه الأحزاب ودورها في صياغة مستقبل القضية الفلسطينية، فإنه لا بد قبل العودة إلى أصول هذه السردية وأهدافها، من الإشارة إلى مفهوم ما يُسمى بـ"الديمقراطية الإسرائيلية" التي لا تمنح الانتخابات فيها جميع المواطنين حقوقاً سياسية متساوية.
فبحسب المنظومة الفكرية التي تتحكم بقادة الاحتلال، فإن الفلسطيني يستطيع ، انتخاب ممثل له، ويستطيع هذا الممثل دخول الكنيست، لكن صوته يصبح موضع تشكيك حين يتعلّق الأمر بمن سيقود الحكومة.
لقد وصف بعض الأكاديميين من أمثال أسعد غانم وأورن يفتاحئيل، هذه المفارقة بتسمية الديمقراطية الإسرائيلية بـ"الإثنوقراطية"، التي تجمع بين وجود مؤسسات انتخابية وهيمنة جماعة قومية – دينية على الدولة، فيما أشار البعض الآخر إلى مصطلح "المواطنة المجوّفة" لوصف حالة الفلسطينيين في إسرائيل حيث تقيّد قدرة الأقليات على تحويل حقوقها القانونية إلى سلطة سياسية فعلية.
يمكن قراءة ارتفاع نسبة المشاركة الفلسطينية في الانتخابات، باعتباره محاولة لتحويل الوجود الديموغرافي إلى قوة سياسية تردّ، عبر صناديق الاقتراع، على سنوات التمييز والعنف والتحريض والإجرام بحقها.
لقد وضعت هذه المشاركة النظام السياسي الإسرائيلي أمام معضلة لم يكن مستعدًا لها، فالفلسطيني الذي يواصل قادة وأحزاب كيان الاحتلال تهميشه في معادلات القوة السياسية والحكم بات قادراً على تحديد مصير هذا النظام، الذي يعترف بصوت "فلسطينيي الداخل" في صناديق الاقتراع، لكنه يرفض الاعتراف بهم في تقرير من سيحكم، ويُهدد ملايين آخرين منهم بالطرد والاقتلاع.
تشير سردية تحويل فلسطينيي الداخل إلى "عرب إسرائيل" إلى السياسات والممارسات الممنهجة التي اعتمدتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عام 1948 بهدف إعادة صياغة الهوية الوطنية للفلسطينيين الذين بقوا داخل الخط الأخضر، وعزلهم عن محيطهم العربي والفلسطيني.
لقد بُنيت هذه السردية على عدة ركائز أساسية، أهمها وأبرزها سياسة "الأسرلة" وهندسة الهوية، إذ أن تغيير المسمى هدف إلى استبدال الهوية الوطنية الفلسطينية بمصطلحات مستحدثة مثل "عرب إسرائيل"، "الأقليات"، أو"الوسط العربي" لتجريد السكان الأصليين من بعدهم السياسي والتاريخي.
كذلك تم التركيزعلى التجزئة الطائفية والعشائرية التي هدفت وسعت إلى تقسيم المجتمع الفلسطيني في الداخل إلى مجموعات منفصلة (مسلمون، مسيحيون، دروز، بدو) والتعامل مع كل مجموعة كأقلية دينية أو ثقافية منفصلة بدلاً من التعامل معهم كشعب واحد ذي حقوق قومية.
واستكمل هذا المسار بفرض التجنيد الإجباري على طائفة الموحدين الدروز عام 1956، ومحاولة تشجيع التطوع بين المسيحيين والبدو، لخلط المفاهيم القومية وبناء ولاء للدولة.
كما واكبت هذه الخطوات أدوات للسيطرة والضبط من قبيل الحكم العسكري بين عامي 1948 و1966 حيث فرض نظام تحكم صارم قيد حركة الفلسطينيين، وعزل قراهم ومدنهم، ومنع أي تنظيم سياسي يعبر عن الهوية القومية.
كذلك جرى العمل على السيطرة على مناهج التعليم من خلال إخضاع جهاز التعليم العربي الفلسطيني لإشراف أمني مباشر، وحذف التاريخ الفلسطيني والمصطلحات الوطنية من المناهج، والتركيز على تدريس التاريخ اليهودي والصهيوني.
وساهم في هذه السردية والإجراءات خطوات تتعلق بالتبعية الاقتصادية، حيث تم ربط مصادر الرزق والتوظيف بالولاء السياسي وتجنب النشاط القومي، مما جعل لقمة العيش أداة لضبط السلوك السياسي.
وواكب كل ذلك خطوات تتعلق بالتناقض البنيوي ومأزق الهوية والتي برزت من خلال ما سُمي بقانون القومية (2018)، الذي جاء ليعيد التأكيد على أن حق تقرير المصير في الدولة حصري للشعب اليهودي، مما يضعف فكرة المواطنة الكاملة التي روجت لها سردية الأسرلة، ويكرس مكانة الفلسطينيين كمواطنين من الدرجة الثانية.
كذلك فإن الهوية المركبة، التي تُعرف عن غالبية فلسطينيي الداخل اليوم بصيغ مركبة مثل: فلسطيني في إسرائيل، أو فلسطيني الداخل، تعكس فشل محاولات المحو الكامل للهوية القومية.
كما أن محطات التحول والمواجهة التي حصلت أثبتت عدم نجاح سياسة الصهر الكامل، ومن أبرزها يوم الأرض عام 1976 والذي شكّل هبة جماهيرية موحدة ضد مصادرة الأراضي واستعادةً علنية للهوية الوطنية، إلى جانب هبة أكتوبر عام 2000 التي جاءت تعبيراً عن التضامن الواسع مع انتفاضة الأقصى والذي جوبه بقمع عنيف من شرطة الاحتلال وأدى إلى استشهاد 13 شاباً من الداخل، وأخيراً كانت هبة الكرامة عام 2021 التي أكدت مجدداً على وحدة الهوية والمصير بين فلسطينيي الداخل والقدس والضفة الغربية وقطاع غزة.
في المحصلة، ستبقى فلسطين للفلسطينيين مهما حاول الاحتلال تسويق سرديات وممارسة حروب إبادة، وعليه لا يجب تبني هذه السرديات، ويجب التمسك بتسمية أصحاب الأرض بمسمايتهم الحقيقية، فهؤلاء فلسطينيون وليسوا "عرب الداخل أو خلافه" من التسميات.

