راما الجراح - خاص الأفضل نيوز
مع كل موسم لهجرة الطيور، تعود البنادق، أو ما يعرف بلغة الصيادين بـ"البارودة"، إلى الواجهة، وتعود معها قضية الصيد البري في لبنان إلى دائرة الجدل. في البقاع والشمال تحديداً، حيث تشكل السهول والجرود والمناطق الزراعية محطات عبور واستراحة لعدد كبير من الطيور، لا يبدو المشهد محصوراً بهواة ينتظرون ممارسة تقليد اعتادوه، بل يتجاوز ذلك إلى ممارسات عشوائية تطرح علامات استفهام حول مصير الثروة الحيوانية والتنوع البيولوجي في لبنان، فهل المشكلة في الصيد نفسه أم في غياب التنظيم والرقابة؟
قانونياً، ينظم القانون رقم 580 الصادر في 25 شباط 2004 الصيد البري في لبنان، ولا يفرض حظراً دائماً على كل أشكال الصيد، بل يضع آلية واضحة لتحديد موسم الصيد والأنواع المسموح اصطيادها، بقرار من وزير البيئة وبناءً على اقتراح المجلس الأعلى للصيد البري. أما الطيور والحيوانات التي لا تُدرج ضمن الأنواع المسموح صيدها، فتُعتبر محمية على مدار السنة. كما يشترط القانون حصول الصياد على رخصة صيد، إلى جانب رخصة السلاح والتأمين، ويحظر وسائل عدة، أبرزها الشباك والدبق والمصائد والأنوار الكاشفة وأجهزة استدراج الطيور بالأصوات.
أما بالنسبة إلى موسم 2026/2027، وحتى تاريخ إعداد هذا التقرير، لم يصدر أي قرار رسمي عن وزارة البيئة بفتح موسم الصيد البري، وبالتالي يبقى الصيد ممنوعاً على جميع الأراضي اللبنانية ولجميع أنواع الطيور، إلى حين صدور قرار رسمي يحدد الموسم والأنواع المسموح بها. لكن هذا المنع القانوني لم ينهِ الظاهرة على الأرض، إذ لا يزال بعض الصيادين يمارسون هوايتهم رغم الحظر، في مشهد يطرح تساؤلات حول فعالية الرقابة وقدرة الجهات المعنية على ضبط المخالفات. وبين القانون والممارسة، تتسع الهوة، خصوصاً في المناطق التي تشهد نشاطاً ملحوظاً للصيد خلال مواسم هجرة الطيور.
في البقاع، لا تقتصر المشكلة على إطلاق النار، بل تصل إلى استخدام شباك واسعة وأجهزة إلكترونية لاستدراج الطيور واصطيادها بأعداد كبيرة. وفي 24 أيلول 2026، أعلنت قوى الأمن الداخلي ضبط 20,640 متراً مربعاً من شباك الصيد غير القانونية في مناطق عدة من البقاع. وبعدها، في 8 تشرين الأول، أُزيلت 17,640 متراً مربعاً إضافياً، لترتفع حصيلة الحملة في البقاع إلى 38,280 متراً مربعاً. وشملت العمليات مناطق عرسال واللبوة ورأس بعلبك وجديدة الفاكهة وجبولة ومشاريع القاع وغيرها.
أما في الشمال، فلم تكن الصورة أقل خطورة. ففي 20 تشرين الأول 2026، أعلنت قوى الأمن الداخلي ضبط نحو 25 ألف متر مربع من شباك إبادة الطيور في سهل عكار، أي ما يقارب 165 شبكة، إضافة إلى آلات ومكبرات صوت ومعدات تُستخدم لاستدراج الطيور. وبذلك، ارتفعت حصيلة الشباك التي أُزيلت في عمليتي البقاع والشمال إلى نحو 63 ألف متر مربع، في واحدة من أبرز الحملات لمكافحة الصيد الجائر، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه حماية الطيور المهاجرة في لبنان.
في المقابل، لا يرى بعض العاملين في قطاع الصيد أن المنع الشامل هو الحل، بل يدعون إلى اعتماد مقاربة تقوم على تنظيم الهواية وتحديد أنواع الطيور المسموح صيدها، إلى جانب مراقبة أعدادها ومواسم تكاثرها وهجرتها. رئيس نادي الصيد اللبناني إيلي مزرعاني يدعو إلى إعادة النظر في آلية تطبيق قانون الصيد، معتبراً أن هناك أنواعاً من الطيور قد تلحق أضراراً بالزراعة أو بالتوازن البيئي، وأن التعامل معها يجب أن يكون علمياً ومدروساً، لا عبر منع شامل للصيد.
وعلى الأرض، يقدم "ع. ز"، الذي يمارس الصيد منذ نحو 20 عاماً، عبر "الأفضل نيوز" وجهة نظر أحد الهواة، معتبراً أن المنع الكامل ليس الحل، وأن تنظيم الصيد هو الخيار الأفضل. ويقر بأنه يصطاد أحياناً بعض الأنواع غير المسموح بها لأنها ألذّ من غيرها، لكنه يقول إنه يتجنب عموماً الطيور التي لا تضر بالمزروعات. أما الشباك، فيؤكد أنه لم يستخدمها يوماً، لأنها لا تميز بين الطيور، فتقع فيها الأنواع المرغوبة والمحمية على حد سواء.
وبين مطالب حماية الطيور ودعوات الصيادين إلى الحفاظ على هوايتهم، يتجه النقاش نحو تعديل قانون الصيد وتطويره، بما يضمن تنظيم المواسم وتحديد الأنواع المسموح اصطيادها، بدلاً من الاكتفاء بمنع الصيد بشكل كامل.

