فاطمة السَّيّد - خاصّ الأفضل نيوز
آفةُ المخدرات مشكلةٌ في غاية التعقيد
بوضعها الراهن على مستوى العالم والمستويات المحلية والقومية، وتتشابك فيها العوامل المكونة لها، اقتصاديًا ونفسيًا وبيئيًا وأخلاقيًا. ولكل عامل من هذه العوامل وزنه الخاص، يختلف من مجتمع إلى آخر، فالعامل الرئيسي المشترك الذي يربط بين العوامل المتعددة هو البعد الثقافيُّ والأخلاقيُّ والقيميُّ الذي يضمن حصانةَ الإنسان المعرفية والنفسية والاجتماعية المنطلقة من تعاليم الدين، وتزيد مناعة الإنسان ضدَّ مساوئها وأضرارها.
فالإدمان يحوّل ضحاياه إلى أناس مسلوبي الإرادة، عالة على ذويهم، يشكّلون عنصر قلق واضطراب في سعيهم للسرقة والعنف والإجرام والعدوان على المجتمع والضّغط عليه.
كيف يحدثُ الإدمان؟
في دراسة متخصصة عن "عالم المخدرات والجريمة بين الوقاية والعلاج" ذكر د. معمر نواف الهوارنة، أن الإدمان يحدث نتيجة التّعوّد على عقار معين، أو مسكّن لبعض الآلام، أو مهدئ لبعض حالات القلق والتّوتر، أو منوّم في حالات الأرق وقلة النوم. يحدث أيضًا كمحاولة للتجربة وحب الاستطلاع، أو التقليد أو مجاملة الأصدقاء ومجاراتهم، أو نتيجة التورط بالضغط والتهديد، وما إن يبدأ الإنسان بالتجربة الأولى حتى ينزلق إلى هاوية الإدمان.
علامات تكشف المدمن
أضاف د. الهوارنة أنَّ التّغير واضح في طريقة حياة المدمن ونظامه، النسيان المرضي، الارتباك الشديد في التحصيل والعمل، والفشل الدراسي والاجتماعي والمهني. ظهور سلوكيات غريبة مثل: اختفاء الأدوية من مكانها، ومكالمات هاتفية تثير الشكوك، اختيار مواعيد مريبة للالتقاء بالأصدقاء مع ظهور بقع بيضاء على فتحتي الأنف والملابس، ظهور أعراض انسحاب العقار أو المخدر، وتتمثل في "اضطراب الجهاز العصبي المستقل" وشعور المدمن بالغم والضيق والألم في العضلات، وسرعة دقات القلب، والدوخة، والقيء، واتساع حدقة العين، والأرق، والخوف، والفزع، والشوق المميت للعقار أو المخدر.
أعراض الإدمان
في السياق نفسه، من أعراض الإدمان، النظرات الزائغة، والعيون الدامعة والنعاس، شذوذ الأفكار، نقص الشعور بالمسؤولية، السلوك المضاد للذات، السلوك المضاد للمجتمع، مثل:" البغاء، السرقة، الاحتيال، التسول، ضعف الضمير"، النسيان المؤقت أو المستديم، السلوك القهري المتعلق بالحصول على العقار بأي وسيلة، الإصابات والعدوى الجلدية، والإصابة بمرض "الإيدز" في حالات استخدام الحقن، قصور الاتزان الحركي، اضطراب للوظيفة الجنسية، اضطراب النوم والإدراك.
معتقداتٌ شائعةٌ حول التعاطي
للأفكار والمعتقدات أثر مهم في سلوك المدمن، ولمواد التعاطي معان رمزية وإيحائية، سواء ما يتعلق بالنظرة إليها أم بالوظائف المقترنة بتعاطيها أو المعتقدات المرتبطة بها، إذ يفضي الاعتقاد إلى تشكيل فكر الفرد تجاه فاعليتها في الحصول على مشاعر وأحاسيس متنوعة، كأوهام السعادة، والشعور باللذة والنشوة، وفي الحقيقة هي مشاعر زائفة، تلقي بصاحبها إلى دائرة الإدمان المغلقة.
زار موقع الأفضل نيوز المركز الوقائي الاجتماعي التابع للمجلس الأهلي لمكافحة الإدمان في صيدا، وكان لنا حديث مع الأستاذ ماجد حمتو المدير التنفيذي للمركز الذي يقدم حزمة من الخدمات الصحية والنفسية والاجتماعية المجانية، بالإضافة إلى المساعدة القانونية على حسب الحالة، وأيضا متابعة المريض مع عائلته واحتياجاته المادية وكل ما من شأنه المساعدة في تهيئته ليقبل على العلاج.
هل يعتبرُ المدمنُ حالةً ميؤسًا منها؟
لا يوجد حالةٌ ميؤس منها أبدًا، وتعتبر رحلة العلاج من الإدمان أسهل من علاج أي مرض آخر يعتبر مزمنًا، كالسكري وأمراض القلب وغيرها. الإدمان مرض غير عضوي يعمل على الخلايا العصبية في الدماغ ويؤثر على الجهاز العصبي، فإذا تحلى المريض بالإرادة القوية، والتحق بمركز يقدم العلاج والدعم النفسي والاجتماعي، بالإضافة إلى الاستفادة من القوانين المصاحبة لبرامج مركز معالجة الإدمان التي بدورها تحفز وتساعد على اعتبار المدمن مريضًا وليس مجرمًا.
وأضاف، يمكن لمريض الإدمان الاستفادة من خدمات وزارة الصحة، وبحسب القانون الذي يمنع الأجهزة الأمنية من اعتقاله، ووضع معايير في حال توقيفه، ففي النظر إلى مواد القانون اللبناني، هي مصنفة ابتداءً من المتعاطي المدمن، للمروج، للتاجر فكل منهم له حكم مختلف. ووفق المادة 137 من قانون العقوبات بالإدمان، يحق لكل متعاطي يتوقف للمرة الأولى طلب المساعدة ويطلق سراحه إلى مركز العلاج، بعد عرضه على شعبة مكافحة المخدرات لمراجعة السجلات والتأكد من صحة كلامه.
رحلة العلاج والتعافي
في حديث مع المتخصصة النفسية الأستاذة نسرين شعراوي، ذكرت أنَّ مريض الإدمان بحاجة لنوعين من العلاج، العلاج الدوائي، وهو بمثابة الديتوكس الذي يخلصه من المادة المخدرة، والعلاج النفسي، الذي يعتبر ضروريًّا جدا وأساسيًّا لمواكبة رحلة العلاج التي تتلخص بالخطوات التّالية:
• يبدأ المريض بجلسة تحفيزية لرفع مستوى الدفاعية، واتخاذ القرار بالتعافي ومن تلقاء نفسه، وبكل اقتناع وحماس لتحمّل العقبات والصعوبات التي سيواجهها.
• يتمُّ تعريف المريض على طبيعة الأعراض الانسحابية وكيفية مواجهتها والآلية المتبعة حتى يستطيع تخطي الأزمة وحماية نفسه.
٠شرح المؤشرات التي تدل على الانتكاس حتى يستطيع المريض التعامل معها، وبالتالي تحميه من الدخول في حالة الخطر، وذلك من خلال فهم مبدأ الانتكاس الذي يمكن أن يتعرض له.
• تعديل السلوكيات الإدمانية، والمعتقدات الخاطئة تجاه موضوع الإدمان والمادة المخدرة، التي تعتبر ارتباطات شرطية ومبررات لإعادة التعاطي والإنتكاس مرة أخرى.
ختمت المتخصصة الشعراوي كلامها مشددة على أهمية العلاج النفسي، الذي يلفت الانتباه للمشاكل الأساسية التي يعاني منها الشخص والاضطرابات التي توصله للإدمان كالاكتئاب، والإحباط، والقصور في بناء الشخصية، والنقص العاطفي، والنقص في تقدير الذات، وانعدام الثقة بالذات، الخجل الاجتماعي، أو عجز ما، كل هذه الأسباب قد تجعل الشخص يبحث عن ضالته في المادة المخدرة لحل المشكلة.
تجارب المتعافين
في سياق متصل استمعنا إلى تسجيلات المرضى يروون قصههم عن الإدمان وخوضهم رحلة التعافي. هي فتاة في ال 16 من عمرها تعيش عقدة ذنب بسبب خلاف بين الأم والوالد منذ صغرها، كبرت وهي تظن أنها سبب المشاكل والخلافات، تعرفت على المخدر من خلال صديقة لها، أدمنت على المخدر لمدة سنتين، بعد تدهور حالها، قصدت مركز العلاج من الإدمان، خضعت لعلاج دوائي، تخلصت من تأثير المادة المخدرة وترسباتها، وتابعت جلسات العلاج النفسي المصاحب لرحلة التعافي، فتمكنت من معالجة السبب الأساسي للإدمان.
تجربة ثانية، شابٌّ متزوج ولديه أطفال، فقد الأمل في تحسين معيشته، لجأ للمخدرات، ليجد نفسه مدمرا أكثر وحياته مهددة، عنف طال زوجته وأولاده، أصبح عاطلًا عن العمل، منبوذًا من المجتمع، كارهًا لنفسه وللحياة، يفكر في الإنتحار، إلى أن قرر خوض رحلة العلاج.
في آخر جلسة للعلاج النفسي قال: أدركت نفسي، ولا شيء يستحق أن نخسر أنفسنا لأجله، هذه الحياة تستحق أن نعيشها بحلوها ومرها، من أجل من نحبهم ويحبوننا.
المخدراتُ نقمة تلبس ثوب الوهم الجميل، تخدع أصحابها حتى توقع بهم، لذلك لا بد من حملات توعية دائمة يشار فيها إلى أثر المخدرات على الذات وقدرتها على تدمير الأسر والمجتمع بشكل عام. وعلى الأسرة توفير قدر من الاحتضان، والمحبة، والتعاون، والتفاهم، والمراقبة، والحوار والنقاش الدائم، وتنمية الهوايات، لينموَ الفرد نموًّا نفسيًّا سليما. بالإضافة إلى تدعيم أجهزة مكافحة المخدرات بكل الوسائل الممكنة، تجنيد وسائل الإعلام لتأخذ دورها في التوعية لمخاطر المخدرات سواء في الأفلام أو المسلسلات أو البرامج التلفزيونية، تشديد الرقابة الأمنية من قبل رجال الشرطة، عدم صرف عقاقير مخدرة إلا بوصفة طبيب. فالإدمان لا يؤذي المتعاطي فقط، هو كفيل في أن يدمّر الفرد والأسرة والمجتمع.

