هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
يكتسبُ المشهدُ السياسيُّ العامُّ في لبنان طابعَ العقمِ والانسدادِ المزمنَين، ما يُنذر باتّشاح أفقه بالضبابية والسوداوية القاتمتَيْن. ولعلّ ما يفسّر هذا الاستنتاج متمثلٌ بالغموض الذي يكتنف التوجه الداخليَّ المترامي عند اتجاهات عدة ،يُقابله في الوقت ذاته توجهٌ خارجيّ، إقليميٌّ ودوليّ، يرمي باتجاه آخر، الأمر الذي يزجّ البلاد، وطنًا وشعبًا باتجاه الفوضى.
مما لا شكَّ فيه أنَّ اللقاء الخماسيَّ الذي عُقِد في باريس مؤخراً بين ممثلي كلٍّ من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا ومصر والسعودية وقطر شكّل مؤشرًا أساسيًا على هذا الصعيد، سواء لجهة دقّ ناقوس الخطر أو لجهة السعي لإنضاج تقاطع دوليٍّ إقليميٍّ بغيةَ لجم مآلات الانهيار التام للوضع اللبناني، بدءاً من وضع حدّ لشغور الرئاسة الأولى، مرورًا بتصدّع المؤسسات الدستورية، ووصولاً إلى النكبة المالية المتمادية، ما يشي بصعوبة حتى لا نقول باستحالة الخروج منها، خصوصًا أنَّ أدوات التخفيف منها بدأت تتلاشى شيئًا فشيئًا مع مرور الوقت.
ما يعلّلُ هذه المشهديةَ التي تبعثُ بقلاقلَ على مستويات عدة، كان ما شهده لبنان في خلال الأسابيع الأربعة الماضية من مؤشراتٍ أعطت إشاراتٍ وجَب التقاطُها والوقوف عندها لتحليل معادلة تسريع الانهيار الشامل المفتعلة، عمدًا وبدقة، إثر الانحلال شبه الكامل للدولة التي باتت تعتمد على اقتصاد السيولة النقدية أو ما يُعرف بـ"إقتصاد الكاش" وتقويض القضاء عبر اتباع سياسة "الكرِّ والفرّ".
وتأتي الحملةُ الأمنية على صرّافي السوق السوداء، مصحوبةً بالتهدئة والتمييع في ملفِّ التحقيق بتفجير مرفأ بيروت لتأكيد ما بات مؤكدًا، ولتعكسَ حالَ الصراع الذي تشهده بنية السلطة المتصدّعة.
فيما تحاولُ الحكومةُ حقنَ الأزمات المتتالية بـ"مورفين المساعدات" المالية غير الناجعةِ للموظفي القطاع العام، على وقع الانهيار اليوميِّ لسعر صرف الدولار في السوق السوداء والذي أطاح بدوره بجدوى الموازنة العامة للدولة التي أقرت في جلباب "أشباح النظام الماليِّ النقديِّ المتكامل" القائم بذاته خارج نطاق السلطتين النقدية والمصرفية، ما يفسّر لجوءَ المصارف إلى الإضراب كحركة اعتراضية، نظرًا لكونه يتهددها في جوهر عملها وتاليًا بقائها.
الكلام هنا يقودنا إلى ما يُروّجُ له مؤخرًا من بيع أصول الدولة. وهذا التوجه تتشابك أطرافه الداخلية بأخرى خارجية والتي لا تكاد تخرج أضلاعه عن الاجتماع الخماسيِّ الذي عُقد في باريس.
يحدثُ ذلك في وقت بدأت إرهاصاتُ الفوضى، التي تُحاكُ تفاصيلها، تتسارع لإِحداث تفلّتٍ اجتماعيٍّ إثر اضطراب الوضع المعيشيِّ والذي سينتج حكمًا توتراتٍ اجتماعيةً وسياسية، وتاليًا أمنيةً على غرار ما شهده الشارعُ اليوم من أولى "بروفات" الفوضى من إضرام النيران بمداخل عدد من المصارف وأمام الباب الحديديِّ الخارجيِّ المؤدي إلى منزل رئيس جمعية المصارف سليم صفير.
لا شكَّ أنَّ هذا المنعطفَ خطيرٌ جدًا وسيستتبَعُ بمزيد من الضغط للدفع باتجاه فرض تسويةٍ سياسية في الخارج بعد استنزاف المجتمع في الداخل وإرهاقه للاستسلام نتيجةَ عدم القدرة على الصمود.

