أكرم حمدان - خاصّ الأفضل نيوز
مَرَّ أكثر من ستة عقود على إعلان الوحدة المصرية - السورية وتحديداً في يوم 22 شباط/ فبراير عام 1958، تلك المحاولة الأولى من نوعها عبر التاريخ الحديث من أجل الربط بين جناحي الأمة العربية في المشرق والمغرب.
لكن هذه التجربة لم تدم وتعش أكثر من ثلاث سنوات، حيث انقضّت كل القوى الأجنبية عليها لوأدها في المهد، وكان الانفصال في خريف العام 1961 بداية لحقبة جديدة من الصراعات العربية.
لقد سعى الغرب ومعه الكيان الإسرائيلي بعد هذه التجربة،لمنع مصر بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في العام 1970 من تكرار تجربة محمد علي في القرن التاسع عشر،وعبد الناصر في القرن العشرين، أي توحيد مصر مع بلاد الشام.
فهذا التوحيد كان تاريخيًّا وراء قدرة صلاح الدين الأيوبي على هزيمة جيوش "الإفرنج" وتحرير القدس خلال حقبة "الحروب الصليبية".
إنَّ الحديثَ الآن عن تجربة الوحدة المصرية – السورية في العام 1958، هو محطة لا بد منها لمواجهة من يُغرقون الأمَّة في صراعاتٍ تهدف إلى تقسيم الدول العربية إلى دويلاتٍ طائفية ومذهبية تتناسب مع السعي الإسرائيلي الدؤوب للحصول على اعتراف بالهُويّة اليهودية لدولة إسرائيل، لتكون هي القائدة والراعية لدويلات دينية ومذهبية منشودة في المنطقة كلها.
لم يكن قيام الوحدة بين مصر وسوريا حدثاً عابراً في تاريخ الأمة، وكذلك حدث الانفصال، فكلاهما هزّ مشاعر الأمة،حيث ولّد الأول شعوراً بالفرح والأمل في مستقبل أفضل،بينما ولّد الثاني شعوراً بالحزن واليأس.
إنَّ ما جرى للعالم العربي منذ وقوع الانفصال وحتى الآن يثبت أنَّ الوحدة هي الطريق الوحيد لضمان تقدّم الأمة وإزدهارها وصيانة أمنها والمحافظة على إستقلالها وحريتها، لذلك لا بدَّ من استخلاص الدروس والعبر من هذه التجربة:
أوّلها:أنَّ الوحدة لا تعني بالضرورة فقدان الدول الراغبة فيها لهوياتها وخصوصياتها الوطنية، فلكل شعب عربيٍّ خصوصية، ينبغي احترامها والحفاظ عليها طالما أنها لا تعيق تحقيق الغايات والأهداف العليا التي تنشدها دولة الوحدة.
وثانيها: أنَّ بناء الدول الوطنية في العالم العربيِّ على أسس ديمقراطية،يعد شرطاً ضرورياً لإقامة وحدة عربية مستدامة.
و ثالثها:أن وحدة الهدف يجب أن تسبق وحدة الصف،فالعالم العربي يواجه تحديات خارجية ضخمة، أخطرها المشروع الصهيوني الذي يسعى لتفكيكه وتكريس واقع التجزئة.
رحم الله جمال عبد الناصر الذي كان يكرّر دائماً:"غزَّة والضفَّة والقدس قبل سيناء.. والجولان قبل سيناء"، لقد أدرك عبد الناصر أن قوة مصر هي في عروبتها، وأمنها لا ينفصل عن أمن مشرق الأمَّة العربية ومغربها وعمقها الأفريقي.
في الزمن الإسرائيلي الذي نعيشه بعد الانقلاب على الزمن القومي الذي شهدناه في الخمسينيات والستينيات،هناك من يدعو إلى العودة إلى عصر الجاهلية، وهناك من يُطالب بعودة مصر إلى ما قبل مرحلة عبد الناصر (عصر الإستعمار وهيمنة الغرب على الشرق)، ونسي هؤلاء أو تناسوا ما تحقق في تلك الحقبة المشرّفة في تاريخ العرب المعاصر من هزيمةٍ لعدوان ثلاثي على مصر، ومن تأميمٍ لقناة السويس،ومن دعمٍ لحركات التحرّر الوطني ضدّ الاستعمار، ومن إعتزازٍ بالهويّة العربية ومضامينها الحضارية.
لقد قيل الكثير في تجربة الوحدة وتقييمها،لكن الثابت أن هذه التجربة،تمت محاربتها داخلياً وخارجياً لأنها شكلت الخطر الأكبر على الكيان الإسرائيلي الحديث النشأة في حينه،حيث وصف بن غوريون دولة الوحدة بأنّها أشبه بالكمّاشة التي ستقتلع إسرائيل من الوجود.
فهل يُدرك البعض أنَّ"القومية العربية" أو"العروبة"هي هويّة ثقافية وبأنها البديل لما نرفضه من انقسامات وطنية وطائفية ومذهبية وأنها تستوعب كل الخصوصيات الإثنية الأخرى؟.
فالهوية العربية كالهوية الأميركية التي استوعبت مئات الملايين من أصول عرقية وإثنية ودينية مختلفة،ومثل الاتّحاد الأوروبي وما فيه من تنوّع إثني وثقافي ولغوي.
فالأميركيون والأوروبيون،حققوا الاتحاد بين ولاياتهم وأوطانهم على أساس، رغم خوضهم الكثير من الحروب والصراعات الدامية فيما بينهم.
ويُمكن للعرب بناء"الولايات العربية المتّحدة" القائمة على أوضاع دستورية مدنية سليمة انطلاقاً من المحافظة على الهويّة الوطنية الواحدة المشتركة،في مقابل محاولات الفرز الطائفي والمذهبي والإثني داخل الأوطان العربية.
إنَّ وقف التطبيع مع "إسرائيل" يمكن أن يشكّل الخطوة الأساسية نحو تمكين النظام العربي من استعادة تماسكه تمهيداً للشروع في اتخاذ خطوات جادة ومدروسة لتوحيد الصف.

