كريستال النوّار – خاصّ الأفضل نيوز
"لم أعُد أستطيعُ تأمينَ قوتِ أولادي"، قالها موسى الشّامي قبل أن يُنهي حياتَهُ بسببِ الوضعِ المعيشيّ الصّعب. وفي حادثةٍ جديدةٍ، عُثِر على جثّة مواطنٍ في بلدةِ الزّرارية إلى جانبِها بندقيّة صيد. وأُفِيدَ بأنّه شُوهِد للمرّة الأخيرة بيدهِ البندقيّة، وعندما سأله أحد المارّة "لوين رايح"، أجابه "بدّي أعمل كزدورة".
حالاتُ الانتحارِ تتزايدُ وتيرتَها يوميًّا، فماذا يقولُ علمُ الإجتماع وعلم النّفس؟ وكيف يُمكن مواجهة هذه الظّروف الصّعبة؟
الإختصاصيّة في علمِ الإجتماعِ بولا القصّيفي تُشير إلى أنّ ظاهرة الانتحار أثارت انتباه علماء الاجتماع، وتعدّدت الأفكار والآراء حولها. والانتحار يعني "القيام الذاتي بتدمير الذات والوصول بها إلى الاعتقاد بأن الموت هو أفضل من الحياة". ومن أبرز أسبابه، بالإضافة إلى الوضع المعيشي الصّعب، "عدم القدرة على التكيّف مع المحيط الخارجي أو التعرّض إلى سلسلةٍ من المواقف المُحبطة وصولاً إلى صناعة الفرد موته بنفسه".
وتلفت القصّيفي، في حديثٍ لـ"الأفضل نيوز"، إلى أنّنا نعيش اليوم تغيّراتٍ مُفاجئة وسريعة في مختلف ميادين الحياة ممّا يجعل الفرد عاجزاً عن التكيّف معها.
من جهتها، تكشف الاختصاصيّة النفسيّة والمُشرفة على خطّ الحياة في جمعيّة "إمبرايس" ميرا دالي بلطة، أنّه في لبنان، نفقد شخصاً كلّ يومين بسبب الإنتحار. وتُشير الدّراسات إلى أنّ هناك أسباباً عدّة للانتحار تتراوح بين بين الصّعوبات الفرديّة، الشخصيّة والبيولوجيّة التي تتفاعل مع عوامل بيئيّة واقتصاديّة واجتماعيّة. بالتّالي، تعدّد هذه العوامل يزيد من الضّغوط النفسيّة التي تُترجم بفقدان الأمل والشّعور باليأس. وبعد عدّة مُحاولات للتغلّب على هذه التحدّيات، يرى الفرد أنّ الانتحار هو الحلّ الأخير أو الوحيد لإنهاء الألم وبالتّالي الخلاص الوحيد".
وتُقسّم في حديثٍ لـ"الأفضل نيوز"، العناوين العريضة لهذه العوامل إلى 3 وهي:
- العوامل البيولوجيّة، تتضمّن تغيّراً في هرمونات الدّماغ وعوامل وراثيّة.
- العوامل السيكولوجيّة، تتضمّن مرونة الفرد ونمط التعلّق لديه، مهارات التأقلم وغيرها.
- العوامل الاجتماعيّة، منها مقوّمات العيش الأساسيّة (أكل وشرب ومسكن) بالإضافة إلى الشّعور بالأمان.
ليس بالإمكان الإضاءة على عاملٍ واحد دون الآخر عندما نتحدّث عن الاضطرابات النفسيّة، تقول بلطة، موضحةً أنّ العوامل قد تجتمع لتُسبّب اضطراباً نفسيًّا. أمّا الانتحار، فمن أسبابه الأساسيّة وجود اضطرابٍ نفسيّ، وغالباً ما يكون الفرد لا يتلقّى العلاج لهذا الإضطراب. وأكثر العقبات التي تمنع من طلب المُساعدة ألا وهي الوصمة، في حين أنّ 1 من كلّ 4 أشخاص في لبنان يُعاني أو سيُعاني من اضطرابٍ نفسيّ في مرحلة من حياته.
آخر الأرقام تُظهر ارتفاعاً بحالات الإنتحار في لبنان بنسبة 7.8 في المئة مع تسجيل 83 حالة، وهي نسبة مُقلقة وليست قليلة مُقارنةً مع عدد السكّان، وفق الباحث في "الدوليّة للمعلومات" محمد شمس الدين. وهذه الأرقام التي سُجّلت خلال 2022، مُرشّحة للارتفاع لارتباطها بالوضع الذي يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.
وتقول القصّيفي: "عوائقٌ عدّةٌ تحُول دون تحقيقِ المواطن أهدافه للعيش حياة كريمة رغم أنّه جَهِد كثيراً من أجل ذلك على مدار سنواتٍ عدّة، لكنّه وجد نفسه فجأةً يعود إلى نقطةِ الصّفر وكأنّه لم يُحقّقُ شيئاً طوال حياته".
هذا الواقعُ ينتجُ عنه الإفتقار إلى الأمن النّفسي ممّا يدفع المرء إلى الوحدة مُبتعداً عن كلّ رابطٍ عاطفيّ مع شريك أو عائلةٍ أو صديقٍ، ما ينعكس سلباً على نفسيّتِه، على عكس ما يعتقده، وفق القصّيفي. وتُشدّدُ على أنّ الإنسانَ بطبعه كائنٌ إجتماعيّ، وبالتّالي فإنّ الروابط الاجتماعيّة تُغذّيه نفسيًّا، إلا إذا كانت "سامّة" فيتوجّب الإبتعاد عنها والعمل على بناء علاقاتٍ أخرى سليمة.
هل كلّ مَن يُقدِم على الانتحار يُعاني من مُشكلةٍ عقليّةٍ أو اضطرابٍ مُعيّن؟ "ليس بالضّرورة"، تُجيب الدكتورة في علم النّفس العيادي والمعالجة النفسيّة والأستاذة الجامعيّة رنا حداد. وتوضّح في حديثٍ لـ"الأفضل نيوز": "يُمكن أن يرتبط السّبب بصعوباتٍ يعيشها الفرد بطريقةٍ مستمرّة ومتكرّرة وفي مختلف المجالات، تفوقُ قدرتَه على التّحمّل".
وتُضيف: "بعض الأشخاص عانوا من طفولةٍ صعبةٍ وصدماتٍ عديدة، لم تُساعدهم الظّروف على تنمية أدواتٍ عاطفيّة لتحصين أنفسهم نفسيًّا وعقليًّا وبالتّالي مُساعدتهم على تخطّي العوائق الكبيرة"، مُشدّدةً على "أنّنا نعيشُ اليومَ خساراتٍ كبيرةً على عدّة أصعدة وهذا يصعُب تحمّله طبعاً، ولكنّ التّحلّي بهذه الأدوات المُحصِّنة يُساعد كثيراً على المضيّ قُدماً رغم الصّدمات والخسارات".
بالرّغم من كلّ شيء، تنصح حداد بالإستماع إلى كلّ شخص يظهر عليه فقدانُ الرّغبةِ بالحياة أو اليأس أو التّعب النّفسي من أمورٍ لم تكن تُرهقه سابقاً. وتقول: "يجب ألا نُقلّل من أهمّية ما يقوله. وإذا لاحظنا أيّ تغييراتٍ مُفاجئة في سلوكيّاته، كالانعزال خصوصاً إذا كان شخصاً اجتماعيًّا، لا بدّ أن نتحرّك تجاهَه ونستمع إليه جيّداً. بمجرّد منحه القليل من وقتنا، يشعر بأنّ هناك مَن يهتمّ لأمره ويفهمه"، مُشدّدةً على أنّ "المهمّ تفادي إطلاق الأحكام ولومه بعد كلّ ما يقوله، فعلينا أن ننصحه باستشارة اختصاصيّ ونؤكّد له أنّنا إلى جانبه".
الخسارات التي نعيشها لا تُعوَّض.. نحن نخسر أنفسنا في سبيل البقاء على قيد الحياة من دون أن نكون أحياء فعلاً. تقول حداد: "فقدانُ الرّغبةِ في العيش وفي الأمل بالإستمرار من أصعب ما يُمكن أن يواجهه أيّ إنسان، وهذا ما يُوصل البعض إلى نفقٍ مُقفلٍ ويستنزفهم. الإنتحار يحصل بعد أن يفقد الفرد الأمل بيومٍ أفضل، وكأنّ هناك وجعاً داخليًّا ثقيلاً لدرجة تفوقُ قدرتَه على التّحمّل، بعدما تحمّل الكثير الكثير".
لذلك، تنصح بتجنّب العزلة عند الشّعور بتعبٍ نفسيّ والتّعبير عن الأفكار والمشاعر لتفادي الوصول إلى الأسوأ، لافتةً إلى أنّ "الصّمت يُفاقِم الحالة، ومن الصحّي أن يقول المرء إنّه بحاجة لشخص يستمع إليه وأن يلجأ إلى اختصاصيّ نفسيّ إذا دعت الحاجة".
من جهتِها، ترى الاختصاصيّة في علمِ النّفس والمعالجة النّفسيّة شارلوت الخليل أنّ اللبنانيّين يعيشون نوعاً من التّخدير بعد الصّدمات المُتتالية، وكأنّ الإنسان يفقد الإحساس بعد التّعرّض للصّدمات والإحباط المُستمرّ، "بيتعوّد.. بِتَمسِح".
وتُشير الخليل في حديثٍ لـ"الأفضل نيوز"، إلى أنّ التّعرّض للكثير من الصّدمات والمواقف التي تُسبّب ضغطاً نفسيًّا وإجهاداً، يُمكن أن يوصلنا إلى الإحساس بفقدان الأمل والشّعور بالعجز وهذا قد يدفعنا إلى نوعٍ من السّلبيّة في التصرّفات أو الاستسلام والشّعور بعدم القدرة على تغيير أيّ شيءٍ في الوضع الحالي.
وتلفِتُ إلى أنّ "عوامل اجتماعيّة وثقافيّة تؤثّر على هذا الموضوع، وكأنّ هناك نوعاً من الثقافة المجتمعيّة في لبنان تحدّد التّناغم الإجتماعي بشروطٍ معيّنة، وتضع هذه الشّروط، وهذا يُمكن أن يدفع البعض إلى القبول بأوضاعٍ غير مُناسبة لهم. هذا بالإضافة إلى الصّدمات التي مرّت على اللبنانيّين وتؤثّر عليهم على المدى الطّويل، ويمكن أن تؤدّي إلى فقدان الشّعور بالقوة".
"يبقى الأهمّ الحفاظ على روتينٍ مُعيّن بعيداً من الأخبار السلبيّة، والتّخفيف من تصفّح مواقع التّواصل الاجتماعي، والاعتناء بالصحّة الجسديّة والنّفسيّة قدر الإمكان"، وفق الخليل. هكذا يُمكن مواجهة الواقع الصّعب بالأدوات التي بحوزتنا، على أمل أن تمرّ هذه الظّروف بأقلّ أضرارٍ مُمكنة.

