كريستال النوّار - خاصّ الأفضل نيوز
لا عجبَ أنّ كلّ القطاعاتِ في لبنان تئنّ نتيجةَ الأزمة الاقتصاديّة والمعيشيّة، ومنها القطاع الزّراعي. هذا القطاع الذي يتخبّط على مدار سنوات عدّة، تكثر مشاكله اليوم بسبب هيمنة دولار السّوق السّوداء بالإضافة إلى خطر التغيّر المُناخي والتّحذير المُستمرّ من الاتّجاه نحو التصحّر.
تُنظَّمُ ورشُ عمل عدّة في القرى والبلدات لا سيّما البقاعيّة والشماليّة، للبحث في المشاكل التي تتسبّب بها التغيّرات المُناخيّة للقطاع الزّراعي عموماً. ومن أبرز ما يتمّ التركيز عليه في هذه الاجتماعات، الخشية من اتّجاه لبنان نحو التصحّر ومدى تأثير هذا الواقع على الإنتاج والتّصدير، بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار بسبب تحليق سعر الصّرف.مع الإشارة إلى أنّ قسماً كبيراً من اللبنانيّين لجأ إلى الزّراعة في ظلّ الأزمة، والبعض امتهنها وباتت رزقه الوحيد.
ويُشيرُ أحدُ المُشتركين في هذه الاجتماعات، وهو مُزارعٌ في البقاع، إلى أنّ الأزمة ألقت بظلالها على القطاع الزّراعي ،والمُزارع يُعاني نتيجة ارتفاع كلفة الإنتاج كون البذور والأسمدة وكلّ المستلزمات أصبحت بالدّولار وعلى سعر السّوق السّوداء المُتفلّت.
ويلفتُ في حديثٍ لموقعنا، إلى وجود فروقاتٍ كبيرة بين السّعر الذي يُسلّم فيه المُزارع للتّاجر والسّعر الذي يتمّ فيه البيع للمُستهلك، "كلّه بالدّولار الذي لا سقف له ويختلف من السّماء للأرض في غضون ساعات قليلة فقط". ويُضيف: "هذا ما يؤدّي إلى اعتماد أسعارٍ مُرتفعة لتفادي الخسارات، ورغم ذلك فهي واقعة حتماً ولا مَن يحمي المواطن الذي يُحاول جاهداً تأمين خبزه وإعالة أسرته".
أمّا في ما خصّ البيع في الأسواق، فيرى المُزارع أنّ المُشكلةَ تكمن في غياب المُراقبة وهذا ما يُضرّ التجار أيضاً، مُعتبراً أنّ كلاً من المُزارع والتّاجر والمُستهلك ضحيّة، والمسؤوليّة تقع عند الدّولة وأجهزتها.
القطاعُ الزّراعيُّ يُعاني من غياب اهتمام الدّولة وضعف مروديّة الإنتاج ،بالإضافة إلى الانخفاض الكبير في المُعدّل السنويّ لكميّة الأمطار، والذي يرتفع مع مرور السّنوات. كما أنّ ارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة والأدوية الزّراعيّة يؤدّي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، مع صعوبة تصريفه في بعض الأحيان، بالإضافة إلى تأثير تغيّر المناخ الذي بات جليًّا للجميع.
فلبنان المعروف بفصوله الـ4 المميّزة وبطقسه المُعتدل، أصبح شتاؤه جليديًّا وصيفه شبه صحراويّ مع درجات حرارةٍ بعيدة عن الاعتدال. كلّ هذا يؤثّر طبعاً وبشكلٍ مُباشر على الأرض وإنتاجها، كما يقول رئيس تجمّع مُزارعي البقاع إبراهيم ترشيشي.
ويُضيف ترشيشي، في حديثٍ لموقع "الأفضل نيوز"، أنّ التقلّبات المناخيّة كثرت في السّنة الأخيرة و"مش طبيعيّة"، إذ تتساقط كمية كبيرة من الأمطار في غضون يومين أو 3 أيّام ثمّ يمرّ أكثر من شهر "من دون ولا نقطة"، مُشدّداً على أنّ هذا الأمر غير طبيعيّ وتأثيره على المزروعات سلبيّ جدًّا، "تتضرّر وتُصبح بحاجة إلى الريّ ونحن "في عزّ الشتاء!".
ويُتابع قائلاً إنّ درجات الحرارة تتغيّر فجأةً مع تسجيلها فروقاتٍ كبيرةً في غضون 24 ساعة! هذا أمرٌ مُستجدّ ولم نكن نشهده كثيراً في السّابق، "كنّا نرى فروقات بدرجات الحرارة ولكن ليس بهذا القدر".
كلّ ما ذُكر يُصعّب عمل المُزارع ويُخفّف الإنتاج وبالتّالي تزيد التّكلفة، ممّا يؤدّي إلى تضرّر القطاع الزّراعي ككلّ. هذا ما يؤكّده ترشيشي، الذي يرى أنّ "الحالة ما بتسوا"، لافتاً إلى أنّ مُعدّلات الأمطار أقلّ من المُعدّل العام ولا أمان بالنّسبة للآبار الإرتوازيّة التي يُتوقّع أن تقلّ نسبة المياه فيها.
ويقول: "الصّيف بغير محلّه وجعة راس.. وإن دلّ على شيء فهو على الجفاف وقلّة الخير والخسائر التي باتت على أبوابنا".
أكاديمي مُتخصّص في هذا المجال يدقّ ناقوس الخطر، مُشدّداً على ضرورة إيجاد الحلول عن طريق ترشيد استهلاك المياه والاستفادة بشكلٍ مدروس من المياه الجوفيّة، "في ظلّ غياب الإدارة الجيّدة لمياه الأمطار التي يقلّ مُعدّلها وتذهب هدراً". ويدعو أيضاً إلى تفعيل الإرشاد المائيّ في المدن والمناطق الزاعيّة والعمل على التّخفيف قدر الإمكان من تلوّث المياه.
الجفاف يُعتبر من أكبر التّهديدات للتنمية المُستدامة وفق الأمم المتّحدة، "حيث تُشير التوقّعات إلى أنّه بحلول العام 2050 قد يؤثّر الجفاف على أكثر من ثلاثة أرباع سكّان العالم".
وتُشير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "الفاو" إلى أنّ هناك عدداً من الضّغوط في البلدان العربيّة، ومنها لبنان، مثل ندرة المياه، الاعتماد على الواردات الغذائيّة، النموّ السكاني السّريع والهجرة. أمّا الخطر الأكبر الذي يُهدّد الزراعة، وفق"الفاو"، فهو التغيّر المناخي وتحديداً نقص المياه.

