وفاء ناصر -خاصّ الأفضل نيوز
في جمهورية اللامسؤولية والقرارات الاعتباطية، كلُّ قرار خاطئ أو متسرع هو بمثابة فتيل يشعل طائفية مذهبية نسعى كمواطنين إلى دفنها عميقا لإكمال ما تبقى من ساعات حياتنا على توقيت المحبة والعيش المشترك ،فيما يتلهى الساسة بالنكايات والنكايات المضادة بدل ضبط الأمور والسيطرة عليها.
سواء أقدَّموا الساعة أم أخّروها لا فرق، فمن أرجعنا إلى الوراء عشرات السنوات بحنكة ودهاء لن يصعب عليه إقحامنا في مأزق تلو الآخر. وإن كان لاعتماد التوقيت الصيفيِّ أهمية في زيادة الإنتاجية عبر زيادة عدد ساعات النهار، فما نفعه في بلد تسير عجلاته إلى الوراء؟
ولماذا أرفقت الحجة بشهر الصيام علما أن إمساكيات الشهر الكريم لحظت هذا الأمر الذي يتكرر كلَّ بضعِ سنوات دون أن يكون له تأثير على الصيام لارتباط الإفطار بغروب الشمس بغض النظر عن التوقيت؟
مما لا شكَّ فيه أنَّ مثل هكذا قرار يؤثر على مفاصل الحياة، رغم بساطته، لا يمكن اتخاذه في جلسة دردشة أخرجت تعديلا متسرعًا دون الرجوع إلى الأطراف الأخرى التي لم يكن ردُّها اعتباطيًّا بل مدروسًا على قاعدة "أنا موجود إذًا أنا أقرر".
وفيما يشيرُ البعض إلى كون "الحركشة" بعقارب الوقت غير صائبة، يصوِّبون على التمرد في تطبيقه والتعاطي معه من خلفية طائفية ذات أبعاد تقسيمية. غير أنَّ الكاتب الصحفيَّ غسان سعود يرى في حديثه للأفضل نيوز أنّ مشكلة قرار تأجيل العمل بالتوقيت الصيفي تكمن في كونه ارتجالي، وأنَّ معالجة الفعل تنهي ردود الفعل التي بنظره تبقى أقل استفزازا من الفعل نفسه.
ويُلفتُ إلى أنَّ ما حصل يكرّس ثنائية التفرد بالقرار لأنه اتخذ دون مشاورة أحد وبمعزل عن الاتفاق مع أحد وكأنَّ البلد يُدار من شخص أو شخصين من جهة، والعشوائية في اتخاذ القرار دون أي نقاش علميٍّ أو معطيات، بالاعتماد على المزاج الشخصي فقط من جهة ثانية، دون إعلام المراجع الدولية والمحلية به قبل أشهر، كما يُفترض، لتنظيم برمجتها (مطارات، هواتف، شركات، وسائل إعلام) على أساسه.
ويعتبر أنه إذا كان الهدف التخفيف عن الصائمين، فيمكن بكل بساطة تعديل دوامات العمل في شهر رمضان كما يفعل الكثير من الشركات الخاصة. نافيا في الوقت عينه وجود خلفيات له.
المؤسف أنَّه مع سمفونية " توقيتنا غير توقيتكم" عادت إلى الأذهان عبارة "لكم لبنانكم ولنا لبناننا"، فعن أي لبنان تتحدثون وأبناؤه في حيرة من أمرهم؟ تشغلونهم بأمور تافهة كي تلهوهم عن مطالبهم المحقة...
هل يدري القيِّمون على القرار خطورة أبعاده أم أنهم كالعادة يرمون الفتيل وينتظرون اشتعال نيران الحقد؟
هل يدركون كمية "الشوشرة" التي جعلوا المواطن يختبرها بين مدرسة تعتمد توقيتًا صيفيًّا حسمه وزير التربية وأخرى تمردت عليه، وبين توقيت المدارس وتوقيت المؤسسات الرسمية والخاصة، هذا عدا عن المعاملات مع الخارج وهنا تبدأ "الكركبة".
مما لا شكَّ فيه أنَّ الاستخفاف بآليات الحكم الطبيعية أظهر حالة مرعبة أظهرت استعدادًا للانسلاخ عن الدولة ما ينذر بانهيار سياسي، فهل ما حصل ويحصل يأتي انسجامًا مع خطة الخارجية الأميركية لإعادة بناء لبنان من تحت الرماد، بحيث
أنَّ طريق الانهيار تعني أخذ لبنان إلى الأسوأ حتى يتحرك الشارع ولو اقتضى أن تتفكك الدولة والأجهزة الامنية.وإن كان الموضوع بعيدا عن أية أبعاد خارجية، هل يتراجع رئيس الحكومة عن قراره الذي أشعل سوسة الطائفية قصدا أو عفوا ويخمده في لحظة وطنية مصيرية؟

