هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
لا شكَّ في أنَّ الحرب الأوكرانية، المستعرة منذ أكثر من عام، أرهقت القارة الأوروبية واستنفدتها، نتيجة تراكم خسائرها الاقتصادية، وخلقت مزاجًا شعبيًا متململاً من التبعات المعيشية والاجتماعية التي ما لبثت تعصف به. مما دفع أنظار أوروبا أكثر فأكثر نحو الصين كوسيط لتقصير أمد الصراع والوصول إلى السلام.
في حين تتالت التصريحات الفرنسية بشأن أهداف زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المقررة من 5 حتى 8 نيسان/أبريل المقبل إلى الصين، فيما يخصُّ أوكرانيا، إذ أعلن قصر الإليزيه أنَّ ماكرون سيعمل مع نظيره الصيني شي جين بينغ على عودة السلام في أوكرانيا.
يذكر أنَّ ماكرون صرّح على هامش اجتماع مجلس الاتحاد الأوروبي، بأنَّ بلاده تأمل أن تتدخل الصين بشكل فوريٍّ لإقناع روسيا بالتفاوض، مؤكدًا أنَّ مبادرة الصين لإنهاء الأزمة يجب أن تكون نقطة الانطلاق للوصول إلى حلٍّ فوريّ. كما شدد على أنَّ هذا الموقف ينسحب على بقية أوروبا كذلك، لافتًا إلى إنَّ القارة لديها وجهة نظر تتمثل في رغبتها بإقحام بكين لتمارس، بأقصى درجة ممكنة، الضغط على روسيا لوقف النزاع.
تجدرُ الإشارة هنا إلى أنَّ نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف حذر، نهاية الأسبوع الماضي، من مغبة التصعيد النووي في أوكرانيا بعد الأنباء التي تواترت عن تزويد بريطانيا لكييف بأسلحة تحتوي على اليورانيوم المنضب أو المستنفد.
وفي هذا السياق، تحدث ماكرون عن مخاوف جادة لدى أوروبا من استخدام أسلحة كيميائية أو بيولوجية، قائلاً إنه سيطلب من الصين التدخل لضمان عدم وصول الأمور إلى هذا الحدّ، وإقناع روسيا بالتهدئة.
كما أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، السبت، أن بلاده أرسلت 10 مقاتلات إلى بيلاروسيا (حليفته المجاورة له ولأوكرانيا) تستطيع حمل أسلحة نووية تكتيكية.
لعلّ ما يفسّر أسباب توجه أوروبا الملحّ نحو الصين لإنهاء الحرب، ينطوي على جملة معطيات نذكرها في عجالة:
- إدراك أوروبا حجم خسائرها جراء الحرب، مثل ارتفاع التضخم، ومظاهرات الغضب الناجمة عن ارتفاع الأسعار، ووقف الغاز الروسي، ونقص المواد الغذائية.
- إفادة الولايات المتحدة الأميركية من تداعيات الحرب الأوكرانية عبر
بيعها الغاز بأربعة أضعاف ثمنه لأوروبا، بعد تسببها في وقف إمدادات الغاز الروسي إلى القارة. لذلك، أضحت أوروبا في حاجة ملحّة لإنهاء الصراع بأي شكل، حتى لو كان ذلك على حساب توتر العلاقات مع واشنطن.
- تقديم الصين نفسها كوسيط جادٍّ للسلام بمبادرتها الأخيرة.
- يأتي الإعداد لزيارة ماكرون إلى الصين وسط احتجاجات عارمة في عدة مدن فرنسية، رفضًا لقانون رفع سن التقاعد الذي أقرّته الحكومة لعدم كفاية الميزانية.
في المحصلة، تمكّنت الصين من تقديم نفسها مؤخرًا كقطب دوليٍّ جديد وفعّال، بعدما أدرك الجميع أنَّ أميركا تتحرك وفق مصالحها، الأمر الذي يفسر أحد أهم دوافع تحرك القارة العجوز نحو بكين، خصوصًا أن القبول بالوساطة الصينية بات قاب قوسين أو أدنى من حصوله، ذلك أنه حين تواصلت بكين مع دول أوروبية، بشأن المبادرة، استطاعت إقناعها بها. لكن في الوقت نفسه، يجدر بأوروبا الضغط على واشنطن للاستجابة لها، نظرًا للتأثير القوي الذي تمارسه الإدارة الأميركية على كييف أحد أطراف تلك الحرب الكونية!

