خليل حرب- خاصّ الأفضل نيوز
ملفتة هي الخطوات التي قامت بها إسرائيل بمجرد عودة وزير الدفاع غالانت من زيارته الصعبة إلى واشنطن. 3 أحداث متزامنة بشكل غريب، تطرح تساؤلات عن المراد منها، أو التداعيات التي ستقود إليها.
ففي غضون أقل من 48 ساعة، هناك المذبحة المتعمدة في مستشفى الشفاء، والغارة على المبنى التابع للسفارة الإيرانية في حي المزة في دمشق، واغتيال متعمد لموظفي منظمة المطبخ العالمي في غزة.
الأولى لاقت صدى مشمئزا على مستوى العالم، وأضافت الكثير على متسوى الإحراج الغربي والعربي، والثانية حركت فورا مخاوف الإدارة الأميركية من أن كل جهودها –أو على الأقل ادعاءاتها- بأنها تحاول منع تفاقم الحرب، ضربت في الصميم، والثالثة، دفعت حكومات الغرب الصامتة أو المتواطئة بدرجة كبيرة مع الإبادة الفلسطينية الجارية، إلى التنديد طالما أن "دماء الرجل الأبيض" سفكت في غزة.
توجه إسرائيل منذ 7 اكتوبر/تشرين الاول، رسالة مضمونها الواضح "إننا جُنِنَّا"، وإن هذا الجنون لم تعد له ضوابط، وعلى العالم، وواشنطن تحديدا، أن تواصل قبولها بهذا الواقع الجديد.
ولهذا، فإن "الجرائم الثلاث" التي نفذتها إسرائيل، مع عودة الوزير غالانت خائبا على ما يبدو من واشنطن، هي إعادة تأكيد على فحوى هذه الرسالة الإسرائيلية، وبلهجة أعلى. فكما هو معلوم، أن الهدف المركزي من ذهاب غالانت إلى العاصمة الأميركية، محاولة وضع نقاط تفاهم واتفاق مع إدارة بايدن على الخطوط العريضة للغزو المأمول لرفح والذي تقول واشنطن إنها لا تعارضه بالمبدأ، وإنما تريد رؤية خطة إسرائيلية واضحة في كيفية التعامل مع نحو 1.5 مليون نازح هناك، أي إنها في الواقع لا تمانع وقوع "ميني مذبحة" بينما الخطط الإسرائيلية المعروضة عليها حتى الآن قد تتسبب بحمام دام لا تعرف حدوده.
ماذا فعلت إسرائيل أيضا؟
استباقا لزيارة غالانت، وخلال وجوده في واشنطن، عمدت إلى تصعيد ضرباتها ضد لبنان، وقتلت عندها 16 شخصا في غضون أقل من 24 ساعة، ما شكل الحصيلة اللبنانية الأكبر للضحايا منذ بداية الحرب. ومحاولة التصعيد برفع إحساس اللبنانيين بالخسارة البشرية في الجنوب، الغرض منها أيضا:
-محاولة إسقاط فكرة "المنطقة الأمنية العازلة" التي صارت كأنها قائمة بحكم الأمر الواقع داخل الشمال الفلسطيني بفعل صواريخ المقاومة
-محاولة طمأنة النازحين الإسرائيليين من مناطق ومستوطنات الشمال، بأن نتنياهو جاد في معالجة معاناتهم المستمرة منذ 6 شهور
-كسب ما يمكن وصفه بأنه الوقت الضائع فيما يتعلق بغزو رفح الذي لم تقتنع به واشنطن بالكامل حتى الآن، والإيحاء من خلال تسخين جبهة الشمال الأوسع (الغارات المباشرة على الهبارية والناقورة وطير حرفا في لبنان، ثم دير الزور لقتل ضباط في الحرس الثوري الإيراني) ، بأن إسرائيل لا تزال تفرض بقوتها فكرة الردع أينما كان.
لهذا، كان من اللافت أنه بالتزامن مع زيارة غالانت، جاء كلام المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي الذي قال فيه "نهاجم حزب الله بقوة شديدة للغاية وسنواصل اتباع نهج هجومي لتغيير الوضع الأمني في المنطقة الشمالية ليستطيع السكان العودة إلى المنطقة الشمالية بأمان، بينما نقلت القناة 12 العبرية عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إنه "لا مفر من عملية عسكرية برية في لبنان لإعادة سكان الشمال إلى بيوتهم".
ما من عاقل بإمكانه القول بحسم، إن الحرب الأوسع غير قابلة للاشتعال. لكن التسخين بحد ذاته، يخدم الأوراق التفاوضية للثنائي نتنياهو-غالانت مع الأميركيين، من الهبارية إلى حي المزة الدمشقي.
رفع سقوف الغارات سواء في الجنوب أو دمشق، قبل زيارة غالانت أو بعدها، يعكس "رسالة الجنون" الإسرائيلية ذاتها: التلويح بـ"فزاعة" توسيع الهجوم على لبنان وسوريا، هو الرد على عدم حصول حكومة الكيان على الضوء الأخضر الكامل لغزو رفح. فإذا تزعزع بايدن، ومنحها تسهيلات أميركية أكثر فيما يتعلق بانقضاضها على رفح ونازحيها، تقلص إسرائيل في المقابل ضغطها العسكري باتجاه الشمال، وهو ما يبدو محاولة مقايضة بين "جبهتين".

alafdal-news
