ميساء عطوي - خاصّ الأفضل نيوز
في عالم متشابك من الصراعات والمطامع، يظل لبنان وصندوق النقد الدولي رهنًا بأحداثهما المتقلبة والمشحونة بالتوترات، حيث يبدو السباق غير محسوم والمعركة لم تنته بعد..
ومع مرور السنوات، لا يزال لبنان يتخبط في متاهات الأزمات الاقتصادية والمالية، وصندوق النقد الدولي يعبّر عن قلقه وتوتره إزاء استمرار تقاعس الحكومة اللبنانية عن تطبيق الإصلاحات المسبقة وإقرار البرلمان لمشاريع قوانين ملحة، أبرزها موازنة 2022 وقانون "كابيتال كونترول" الذي يقيّد عمليات السحب وتحويل العملات الأجنبية من المصارف، إضافة إلى إقرار تشريعات تتعلق بإعادة هيكلة القطاع المصرفي وتعديل قانون السرية المصرفية وتوحيد سعر الصرف.
فالاجتماعات التنسيقية العديدة التي عقدت بين الطرفين، لم تحقق أي تقدم ملموس، ما زالت الشكوك تحوم حول قدرة الحكومة اللبنانية على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، وتبقى المسألة محط جدل مستمر بين من يدعو للتريث ومن يطالب باتخاذ إجراءات فورية.
ففي هذا الوضع المشحون، وعلى الرغم من التفاهم الأولي والاتفاق على مساعدات مالية تزيد عن ثلاثة مليارات دولار، فإن الطريق نحو التوصل إلى اتفاق رسمي يبدو مثيرًا للشكوك والتساؤلات. فالحكومة اللبنانية وعلى الرغم من التزامها بتنفيذ الإصلاحات الضرورية، وعملها على تعديل قانون السرية المصرفية إلا أن مطالب صندوق النقد الدولي تبقى متمثلة في تحقيق إصلاحات أخرى ملحة لم تبصر النور بعد. تلك الإلتزامات باتت موضع شك وتحفظ ، يضع لبنان في مأزق صعب، يجب عليه أن يجد منافذ للخروج منه.
في الأيام القليلة الماضية انتشرت على الساحة الإعلامية اللبنانية أخبار بشأن تحذير الصندوق النقد الدولي من إلغاء الاتفاق مع لبنان، ما أثار القلق والاستغراب حول هذا الأمر.
ضمن هذا النطاق، نفى الخبير الاقتصادي "نسيب غبريل" في حوار خاص لـ موقع " الأفضل نيوز" الأخبار التي تم تداولها حول احتمال إلغاء الاتفاق بين لبنان وصندوق النقد الدولي، مؤكداً أن هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة، وأنها مجرد إشاعات تهدف إلى زعزعة الاستقرار وإثارة البلبلة الإعلامية.
وأوضح غبريل أن رئيس صندوق النقد الدولي للبنان لم يصرح بشكل رسمي بإلغاء الاتفاق، ولم يُصدر أي بيان رسمي من الصندوق يؤكد صحة ذلك، مشيراً إلى أنه حتى المكتب التابع لصندوق النقد الدولي في بيروت لم يصدر أي تصريح بهذا الصدد، والناطق الرسمي باسم الصندوق لم يُعلن أيضا عن أي شيء في هذا الشأن خلال المؤتمر الصحفي الأسبوعي الذي يُعقد في واشنطن.
وفي ما يتعلق بطريقة عمل صندوق النقد الدولي، أكد غبريل أنه مضى عامان على اتفاق لبنان مع الصندوق، إلا أن لبنان لم يحقق التقدم المطلوب في تنفيذ الشروط المسبقة، موضحاً أن الاتفاق الأولي يشتمل على 9 إجراءات مسبقة يجب تنفيذها للوصول إلى اتفاق نهائي
وأضاف غبريل أن صندوق النقد الدولي ينتظر بدء السلطات اللبنانية في عملية الإصلاح، مشدداً على أنه يتوقف على سرعة وقابلية السلطات اللبنانية لتطبيق الإصلاحات. وأوضح أنه بمجرد تنفيذ الإصلاحات والالتزام بالمعايير، سيبدأ صندوق النقد في دفع الأموال المخصصة، مما يفتح الباب أمام مصادر تمويل إضافية من مؤسسات أخرى مثل البنك الدولي والبنك الأوروبي للاستثمار والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
وفي ما يتعلق بالتأخير في تطبيق الإصلاحات، أشار غبريل إلى أن المشكلة تكمن في ظل الشغور الرئاسي وحكومة تصريف الأعمال وفي عدم وجود إجماع واضح بين مكونات القطاع الخاص والجهات المعنية في وضع الخطة الإصلاحية، معتبراً أن هذا الأمر يشكل عائقاً أساسيًّا أمام تقدم الإصلاحات.
وفي سياق متصل أوضح"غبريل" أنه لا يوجد أي مؤشر على إلغاء الاتفاق بين لبنان وصندوق النقد الدولي، مشيراً إلى أن هذا الأمر يعتمد بشكل كبير على دور السلطات اللبنانية، حيث لم يتم تحديد شروط محددة من قبل صندوق النقد الدولي. وأشار إلى أنه في حال أجمع الطرفان على اتفاق كامل يفرض على لبنان تنفيذ شروط معينة ولم يتم تحقيقها، فإن صندوق النقد الدولي يكون مخولاً بإلغاء الاتفاق، ولكن في الوقت الحالي، لا يملك صندوق النقد الدولي الصلاحية لإلغاء الاتفاقات المبرمة مع لبنان، نظراً لعدم وجود أية بنود في القوانين أو الدساتير تنص على ذلك.
ومن جهة ثانية، دعا غبريل الحكومة اللبنانية إلى تسويق أهمية الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، مؤكداً أن تطبيق الإصلاحات يجب أن يتم بالتنسيق والتعاون مع مختلف الأطراف المعنية، وذلك لضمان نجاح العملية الإصلاحية والحصول على الدعم الدولي المطلوب، وتجنّب الآثار السلبية المحتملة لأنه كلما "تأخر تطبيق الاتفاق الأولي مع صندوق النقد كلما تأخر الحصول على الأموال التي يحتاجها البلد.
من هنا، يظهر بوضوح أن إلغاء الاتفاق بين لبنان وصندوق النقد الدولي لن يكون أمراً بسيطاً أو خفيف الوزن. فبعد مضي سنوات على المفاوضات والجهود المبذولة، فإن الإلغاء يعني خسارة فرصة كبيرة للانتعاش الاقتصادي وتعزيز الثقة الدولية في الاقتصاد اللبناني، فالتأخير في تنفيذ الإصلاحات اللازمة يزيد من الضغوطات على الاقتصاد اللبناني ويعرضه لمزيد من الخطر، لذا، فإن التحدي الحالي يتطلب تضافر الجهود والعمل المشترك من جميع الأطراف المعنية، سواء كانت داخلية أو خارجية، للنهوض بالاقتصاد اللبناني وتحقيق النجاح والاستقرار المستدام.
يبقى السؤال الملح للحكومة اللبنانية هو: هل يمكنها تلبية توقعات وشروط صندوق النقد الدولي؟ وهل ستكون قادرة على تحقيق الإصلاحات اللازمة لاستعادة الاستقرار الاقتصادي؟ أم ذلك يزيد من حدة الوضع ويؤدي إلى تفاقمه، خاصة وأن البلاد تعاني من حالة حرب داخلية؟

alafdal-news
