رائد المصري - خاصّ الأفضل نيوز
تأكد إجراء الانتخابات الرئاسية في موعد الجلسة التي حدَّدها الرئيس نبيه بري في 9 كانون الثاني المقبل، وبات لزاماً على كل الأطراف السياسية، نزع التردد من الأذهان إزاء هذا الاستحقاق وترك الخلافات غير المجدية، والانطلاق نحو إنجاز انتخاب رئيس، يليق بلبنان واللبنانيين وفق الأطر الدستورية، التي تفرض تحمُّل المسؤولية الوطنية، خصوصاً في هذه المرحلة المصيرية المليئة بكل أنواع التحديات والتحوُلات والتقاطعات في لبنان والإقليم والعالم.
ولهذا بدأت تتسابق الاتصالات بين الكتل النيابية والأفرقاء السياسيين قبيل موعد جلسة الانتخاب، فرسم رئيس مجلس النواب نبيه بري تشبيهاً بأجواء تفاؤلية بحسب ما نُقل عنه، جازماً فيها وللمرة الأولى، بأن الانتخابات الرئاسية قائمة، وهذا له دلالة في دخوله على خط تسهيل هذه العملية، وبعدم التخلِّي عن دور الشراكة في هذا الاستحقاق، فلن تكون كتلته حجر عثرة أمام ذلك، لكن ما أربك حسابات المشهد، هو رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، والحديث عن عدم ممانعته الترشح، وربما قصد ذلك بهدف معرفة الأصداء، فيما يُعَد ترشيح النائب نعمت أفرام غير مفاجئ إذ إن اسمه كان مطروحا.
إذن، فقرار إجراء الانتخابات الرئاسية أو تأجيلها لم يَعُد قراراً محلياً داخلياً، بقدر ما أصبح خاضعاً للتأثيرات الخارجية، عربياً ودولياً، بعد اتفاق الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والفرنسي مانويل ماكرون، في لقائهما الأخير في باريس، على ضرورة انتخاب رئيس الجمهورية في لبنان، للمساعدة بالخروج من أزماته المتراكمة، وهو ما شكل فرصة لكل من حزب الله بتقاطع غير مقصود مع واشنطن وباريس، وكل من موقعه وزاويته، إذ تعتقد باريس وواشنطن أن ما أصاب حزب لله يشكل المساحة الأفضل لفرض شروط سياسية عليه، في حين يدرك الحزب ومعه الرئيس بري بأن الاستنزاف السياسي ليس في مصلحته تماما، وما يمكن تحصيله اليوم قد لا يكون متاحاً في الغد لاعتبارات تتعلق بالإقليم المتغير في أوجهه المتعددة، لذا فمن المنطقي ضرورة استجماع ما بقي من أوراق قوة ليكون الطرفان شريكين في اختيار الرئيس، وبالتالي الذهاب نحو دعم فرص النهوض بالدولة اللبنانية، كما أنه ليس بخافٍ أن تحديد موعد الانتخابات، هو جزءٌ من ترتيبات اتفاق وقف الحرب، بتوافق لبناني عام، وبناءً لطلب عواصم القرار العربي والدولي، لضمان عودة الانتظام للمؤسسات الدستورية، ووضع البلد على سكة الإنقاذ، وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة، ونبذ كل طرف سياسي يعرقل جهود العودة إلى الدولة.
من هنا جاء سعْي الخماسية لتحقيق توافق وطني في الانتخابات الرئاسية، لتأمين أوسع تأييد ممكن لرئيس البلاد، لأجل دعم النهوض والتغلُّب على كل التحديات التي تواجه لبنان، وهذا لا يعني بدوره أن اختيار الرئيس سيكون بالتزكية، فليس هناك ما يمنع من وجود أكثر من مرشح في السباق الرئاسي، ليفوز من ينال أكثر الأصوات النيابية عدداً، في أجواء من التنافس الديموقراطي، وهذا يُعيد الجميع إلى اللعبة الديمقراطية تحت سقف الدستور، وبعيداً عن الشارع أو المنابر والاستقطابات السياسية والحزبية الحادة.
يبدو أن لبنان على موعد واعد للخروج من النفق المظلم، ولهذا يجب على الطبقة السياسية، أن تكون على مستوى هذا الاستحقاق الوطني المفصلي، بعد أن خلط التحوُّل الكبير في الواقع السوري أوراقاً كثيرة في المنطقة، وليس معروفاً بعد ما هي انعكاساته المباشرة وغير المباشرة على الوضع اللبناني.
كل العوامل اليوم تبدو مساعدة على إنجاز الاستحقاق الرئاسي في موعده، إذا ما صدقت النوايا الأميركية، وقبل دخول الرئيس الجديد المنتخب البيت الأبيض، فقد يحاول البعض الدخول على خط الانتخابات الرئاسية، في مناورة لتعطيلها وتأجيلها لاحقاً، إلاَّ أن عين الخماسية الدولية صاحية لذلك، عبر سفرائها المتواجدين، وكذلك الرئيس برّي الذي سيُفوّت من خلال إدارته للجلسة، الفرصة على المتلاعبين بالمياه العكرة، والتشويش على عملية الانتخاب، حتى ولو كانوا من المرشحين أنفسهم في السباق الانتخابي، الذين يعيشون في مخيلاتهم جنة السلطة العليا، والتأثير في اللعبة الانتخابية، تحقيقاً لمصلحتهم الخاصة.
فالمهم أن تجري الانتخابات في موعدها المحدد، ويصبح للبنان رئيس، وتعود المؤسسات الدستورية إلى الانتظام المعهود، إيذاناً ببدء عهد ومرحلة واعدة، من الاستقرار والازدهار، والفرصة الوحيدة لقياس تأثيرات التغيير في الأوراق الإقليمية بسوريا على لبنان، سيتحدد في المسار الذي ستتخذه جلسة التاسع من كانون الثاني النيابية، المخصّصة لانتخاب رئيس الجمهورية، وسط تساؤلات عمّا إذا كان عصف ما جرى في دمشق، سيبدّل مواصفات الرئيس المقبل للجمهورية والتوازنات التي ستأتي به إلى قصر بعبدا،
مع تغيّر المعادلة الإقليمية، يستطيع لبنان اليوم أن يتّخذ خطواتٍ نحو تعزيز علاقاته بمحيطه العربي، خصوصًا مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، التي لطالما كانت داعمًا أساسيًا لاستقراره الإقتصادي والسياسي، وتبدو اليوم الفرصة متاحةً لنفض رماد نيران الحروب على أرضه، وصياغة رؤية مناسبة تُخرج البلاد من حالة الركود والتدهور وتضعه على سكة النهوض والتطوّر، شرط أن يحسم اللبنانيون أمرهم ويختاروا ما يريدونه لأنفسهم ولوطنهم وليس ما يُريده الآخرون لهم وللبنان.
وعلى القوى السياسية برمَّتها، إجراء قراءة متأنية للتداعيات التي ستطاول لبنان مستقبلًا، من دون الدخول في سجالات وحملات مؤذية، قد تعطي إشارة إضافية حول عدم نضج هذه الطبقة السياسية، فمن البديهي القول إنّ الزلزال الكبير الذي ضرب سوريا، لم يكن بهدف إراحة لبنان، بل لحسابات إقليمية ودولية كبرى، لا بدّ من إظهار خيوطها، والسعي لمعرفة خلفياتها، والتعاطي يجب أن يكون ضمن الواقعية السياسية مع الملف الرئاسي، بعيداً عن تحيُّن الفرص لاستثمار التطورات السورية ومفاعيل الحرب الإسرائيلية في تغليب خيار على آخر.

alafdal-news
