"رهف" الشعر حين يصير خيطًا بين الذات والعالم
رهف قصيدة لم تولَد ليس مجرد ديوان، بل مرآة داخليّة تعكس ذاتًا تتوسّط العالم بين الحنين والوعي، بين الغياب والكتابة... هو ديوان لا يُكتفى بقراءته شعرًا عاطفيًّا وجدانيًّا، بل يُقرأ وثيقةً شعوريةً تُعيد ترتيب علاقة الإنسان بالزمن، بالآخر، وبالمعنى.
ورهف قصيدة لم تولَد مجموعة شعرية من 22 قصيدة نُشِرت سابقًا في مواقع وصحف لبنانية وعربية عدّة... صدرت عن دار الانتشار العربي،بيروت-لبنان، وقدّم لها الدكتور خالد كموني.
أوّل ما يلفت في رهف هو التوتّر الدائم بين الحضور والغياب. رهف - الاسم، الحلم، الأنثى، الطفلة، الكائن الغائب الحاضر - ليست عنوانًا فحسب، بل شفرة شعورية تؤسّس لمعمار الديوان بأكمله أيضًا. فيها تجتمع استعارة الفقد، وتتمركز الذكرى، ويتكوّن الحنين كقيمة فلسفية، لا عاطفية فحسب.
نصوص الديوان تسير على خيطٍ دقيقٍ من التوازن بين الذاتية والكونية. ففي كلّ نص يبدو الشاعر يكتب عن ذاته، لكن شيئًا أعمق يحدث: القارئ يشعر بأنّ النصوص تكتبه هو أيضًا، بأنّها تنبش ذاكرته، وتستدعي أشواقه المؤجَّلة. هذا التحوّل من الخاص إلى العام، من الفردي إلى الجمعي، هو ما يجعل رهف نصًّا وجوديًّا.
من المحاور الأساسية في الديوان أيضًا، الزمن، ليس بوصفه ترتيبًا خطّيًّا، بل كإحساس داخلي. الزمن في رهف ليس تقويمًا، بل شعورٌ، يُقاس بما فقدناه لا بما عشناه. لذلك يبدو الزمن منقوصًا، هاربًا، مؤلمًا، لكنّه يُستعاد عبر الشعر، فتغدو القصيدة أداة في وجه الزوال.
ثمّة خيطٌ عميق من الأنوثة يسري في جسد الديوان، ليس بوصفها جسدًا فحسب، بل باعتبارها قيمة جمالية، وكينونة تُجسّد الحنان والحضور والخصب. الأنثى في رهف ليست الحبيبة فحسب، بل الأمّ، الوطن، الطفولة، والحلم المؤجَّل أيضًا. هي المعنى المتكامل للحياة حين تتفتّح على يد شاعرٍ يُدرك أنّ الكلمة لا تكتمل إلا بأنوثةٍ ما.
أما البُعد الوطني، فلا يقتحم النصوص اقتحامًا، بل يتسلّل من بين الحروف، لا سيما في قصائد كـ "طفل غزة" و"تاريخنا المزوّر" و"ليس في غزّة إلّاكِ". هناك يتبدّل الصوت من ذاتيّ إلى جمعيّ، ويكتب الشاعر فلسطينَ لا شعارًا، بل جرحًا نازفًا، ورمزًا للخذلان الإنساني.
ولعلّ أحد أعمق الموضوعات هو اللغة ذاتها، فاللغة في رهف ليست وسيلة، بل طرفًا في المعادلة. الشاعر يُخاطب الكلمات، يتوسّلها، يُعاتبها، يُنقّب في بلاغتها بحثًا عن خلاص. القصيدة تصبح رحلة نحو قول ما لا يُقال، ومحاولة دائمة للإمساك بما ينفلت من المعنى، لهذا يبدو أنّ الديوان مكتوبٌ برغبة واحدة: أن تُقال الحقيقة، لا كما هي، بل كما تُحسّ.
رهف في النهاية، هو ديوان عن الإنسان، العاشق، الحالم، المقهور، المتذكّر، الباحث عن معنًى. هو نصّ يُعيد للشعر دوره الأصيل، يُعيد الإنسان إلى ذاته، ويُنقذه من العاديّ، ويفتح فيه نوافذَ نحو الجمال، حتى في لحظات الانكسار.