محمد شمس الدين - خاص الأفضل نيوز
تعيش الساحة اللبنانية منذ 5 آب على وقع مواجهة سياسية – دستورية مفتوحة بين الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام من جهة، و«حزب الله» بقيادة أمينه العام الشيخ نعيم قاسم من جهة أخرى. ففي حين اعتبرت الحكومة أن قرارها بحصر السلاح بيد الدولة خطوة تأسيسية لإعادة الانتظام الدستوري وإنهاء ازدواجية القوة العسكرية، رأى الحزب في الخطوة «تنفيذاً للمشروع الأميركي – الإسرائيلي» ومحاولة لتجريد لبنان من «سلاحه الدفاعي» في لحظة عدوانية. هذا التباين بلغ ذروته مع خطاب قاسم الذي رفع فيه السقف ملوّحاً بـ«المعركة الكربلائية» إذا فُرض نزع السلاح بالقوة، في مقابل ردّ سلام الذي شدد على أن «لا دولة بلا حصرية السلاح».
تحذير من الفتنة
ألقى نعيم قاسم خطاباً نارياً صبّ فيه اتهامات مباشرة على الحكومة بأنها تخدم المشروع الإسرائيلي عن قصد أو غير قصد. اعتبر أن قرار 5 آب يهدف عملياً إلى تسهيل قتل المقاومين وأهلهم، وطردهم من أرضهم، فيما كان الأجدر بالحكومة – بحسب قوله – أن تسعى لطرد إسرائيل أولاً قبل التفكير في تجريد الداخل من السلاح.
قاسم ذهب أبعد من ذلك حين اتهم مجلس الوزراء بخرق الدستور و«ميثاق العيش المشترك»، مستشهداً بالفقرة «ي» التي تنص على أن «لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك». وأكد أن الشرعية الحقيقية للمقاومة لا تأتي من الدولة أو قراراتها بل من «الدماء والتحرير والحق والأرض». كما حذّر من زجّ الجيش في الفتنة الداخلية، مؤكداً أن المقاومة لن تسلم سلاحها «والعدوان مستمر والاحتلال قائم»، حتى ولو أدى الأمر إلى مواجهة داخلية كبرى.
اللافت في الخطاب أن قاسم كشف أن حزب الله وحركة أمل تعمّدا تأجيل النزول إلى الشارع والاعتراض الجماهيري، مفسحَين المجال لمفاوضات وتعديلات محتملة قبل الوصول إلى المواجهة، لكنّه لوّح بأن الخيار يبقى مطروحاً إذا استمر المسار الحكومي.
رد الحكومة: نزع الشرعية عن التهديدات
رئيس الحكومة نواف سلام لم يتأخر في الرد، فاتهم قاسم باللجوء إلى «الدعاية التعبوية» الموجهة لجمهور الحزب، نافياً أن تكون الحكومة خاضعة لإملاءات خارجية. شدّد سلام على أن غالبية اللبنانيين تؤيد خطة حصر السلاح بيد الدولة، معتبراً أن القرار «ليس مطلباً أميركياً أو فرنسياً» بل استحقاق لبناني متأخر منذ اتفاق الطائف.
سلام حذّر من أي تلميح لحرب أهلية، مؤكداً أن اللبنانيين جميعاً «صغاراً وكباراً» يرفضون العودة إلى التجربة المأسوية. وأوضح أن الاتفاقات الدولية (1701 و1559) ليست سوى امتداد لاتفاق الطائف الذي نص صراحة على بسط سلطة الدولة بقواها الذاتية على كامل الأراضي اللبنانية، وأن حصرية السلاح هي المدخل لبناء دولة قابلة للحياة، وجذب الاستثمارات، والشروع في إعادة الإعمار.
جعجع يهاجم
رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع وصف خطاب قاسم بأنه «تهديد مباشر للحكومة والأكثرية النيابية والمؤسسات الدستورية». اعتبر أن الكلام موجّه أيضاً لكل لبناني حر، مؤكداً أن الأكثرية الكبرى من اللبنانيين تقف خلف رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. وشدد جعجع على أن المرحلة الحالية «تأسيسية بامتياز» لإعادة الدولة الفعلية وانتزاع لبنان من دوامة الانهيار.
البعد الإسرائيلي: قراءة ميدانية
في الموازاة، جاءت تصريحات اللواء أوري غوردين قائد الجبهة الشمالية السابق في الجيش الإسرائيلي لتضيف بُعداً عسكرياً للمشهد. فقد أعلن أن الحملة الأخيرة على لبنان دمّرت 70% من القدرات العسكرية لحزب الله، بما فيها منظومات الصواريخ وقوات النخبة «الرضوان»، لكنه أقرّ بأن الحزب يسعى لإعادة بناء قوته بسرعة خوفاً من هجوم جديد. غوردين اعتبر أن السماح لحزب الله بالتحصّن على الحدود كان «خطأً جسيماً» لن يتكرر.
هذه التصريحات، في توقيتها ومضمونها، شكّلت عنصر ضغط إضافياً على الداخل اللبناني، حيث بدا أن إسرائيل تسعى لإبراز حجم الخسائر التي لحقت بالحزب، بالتزامن مع مساعي الحكومة اللبنانية لتجريد السلاح.
المشهد الدستوري والسياسي
الجدل الدائر اليوم يتمحور حول سؤال مركزي: هل تملك الحكومة، استناداً إلى اتفاق الطائف والدستور، شرعية مطلقة لفرض حصرية السلاح؟ حزب الله يجيب بالنفي، معتبراً أن الشرعية مستمدة من «الميدان والتحرير». أما الحكومة فتصرّ أن الدولة لا يمكن أن تُبنى إلا على قاعدة احتكار العنف المشروع بيد مؤسساتها.
هذا التباين يضع الجيش اللبناني أمام تحدٍّ دقيق، إذ ترفض قيادته الانخراط في مواجهة داخلية، فيما تكلفه الحكومة إعداد خطة تنفيذية لحصر السلاح. أي خلل في التوازن قد يعرّض المؤسسة العسكرية لاهتزاز خطير يذكّر بتجارب سابقة.
لبنان على مفترق طرق
الخطاب التصعيدي من نعيم قاسم وردّ الحكومة عليه يفتحان الباب أمام سيناريوهات متناقضة:
• تصعيد داخلي قد يقود إلى تظاهرات واحتكاكات تهدد السلم الأهلي.
• تسوية مؤقتة تؤجّل المواجهة عبر مفاوضات وتعديلات في خطة التنفيذ.
• تدويل متزايد للملف، عبر تعزيز دور الأمم المتحدة أو إدخال عناصر دولية جديدة على خط ضبط السلاح.
في الحصيلة، لبنان يقف اليوم على حافة خيارين: إما استكمال مسار بناء الدولة وحصرية السلاح، بما يحمله من مخاطر مواجهة مع «حزب الله»، أو القبول بمعادلة الأمر الواقع التي تكرّس ازدواجية السلطة وتبقي البلاد رهينة التوازنات الإقليمية.
المعادلة كما رسمها قاسم في خطابه كانت واضحة: إما أن يبقى لبنان بكل مكوناته، أو «على الدنيا السلام». لكن الأكيد أن البلاد دخلت مرحلة جديدة لا يمكن أن تنتهي دون تسوية كبرى، داخلية وخارجية، تعيد رسم معالم الدولة والمقاومة معاً.