نوال أبو حيدر - خاصّ الأفضل نيوز
في خضمّ الأزمة الاقتصادية العميقة التي تعصف بالبلاد منذ سنوات، والتي طالت مختلف مفاصل الحياة اليومية للمواطن، عاد إلى الواجهة قرار المصرف المركزي إصدار فئة نقدية جديدة بقيمة 5 ملايين ليرة. هذا الإجراء، الذي كان يُعدّ ضربًا من الخيال في سنوات ما قبل الانهيار، أصبح اليوم واقعًا يتعايش معه المواطن في ظل الانخفاض الحاد في القدرة الشرائية، والانهيار المتواصل في قيمة العملة الوطنية، وغياب أي بوادر جدية لحلول اقتصادية شاملة.
بين من يرى في هذا القرار خطوة تقنية تهدف إلى تسهيل التداول النقدي، وخفض حجم الكتلة الورقية التي بات المواطنون يحملونها لإتمام أبسط المعاملات، وبين من يعتبره مؤشرًا خطيرًا على مدى تفاقم الأزمة، تتجدد الأسئلة حول خلفيات هذه الخطوة وتداعياتها المحتملة. فهل إصدار فئة 5 ملايين ليرة هو مجرد إجراء مؤقت فرضته الضرورة النقدية، أم أنه يعكس واقعًا ماليًا مأزوماً بلغ مرحلة متقدمة من التضخم وفقدان الثقة بالعملة المحلية؟ وهل تمثل هذه الخطوة محاولة للالتفاف على أزمة سيولة نقدية متفاقمة، أم أنها تكشف عمق العجز البنيوي عن إحداث إصلاحات اقتصادية حقيقية ومستدامة؟
في هذا السياق، لا يمكن فصل القرار عن المشهد الأوسع للأزمة الاقتصادية، حيث تتداخل السياسات النقدية المرتبكة مع غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة، وسط بيئة سياسية غير مستقرة، ومعدلات فقر وبطالة متزايدة، وتآكل شبه كامل للطبقة الوسطى. ومن هنا، فإن إصدار فئة نقدية بهذا الحجم لا يُعد مسألة فنية بحتة، بل هو في جوهره تعبير مباشر عن فشل السياسات الاقتصادية في كبح جماح التضخم، واستعادة التوازن النقدي، وإعادة الثقة بالعملة الوطنية.
القدرة الشرائية محور الاستقرار النقدي!
من هنا، يقول الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي الدكتور أنيس أبو دياب، لموقع "الأفضل نيوز" إن "إصدار فئة نقدية جديدة لا يعني بالضرورة أنها خطوة خطيرة تزيد من حدّة التضخم المفرط أو تسرّع من انهيار النظام النقدي الذي تمر به البلاد. ففي الحقيقة، الانهيار النقدي بمعناه الشامل توقف منذ نهاية تموز 2023، حين استقر سعر الصرف عند مستوى 89,500 ليرة لبنانية. لذا، لم نعد نواجه انهياراً نقدياً بالمعنى الدقيق، بل دخلنا مرحلة من الاستقرار النسبي في سعر الصرف".
ويتابع: "المشكلة الحقيقية لا تكمن في الأرقام فقط، بل في تراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية. فكلما تحسنت القدرة الشرائية، بغض النظر عن نوع العملة المستخدمة، كان ذلك مؤشراً على صحة الاقتصاد وتحسنه، وعلى العكس، تدهور القدرة الشرائية يعكس ضعف الاقتصاد. وبالتالي، فإن تثبيت سعر الصرف اليوم يُعتبر جزءاً من السياسات النقدية والمالية المتبعة لضبط معدلات التضخم والسيطرة عليها. وهذا الاستقرار في سعر الصرف لا يعني أن الوضع الاقتصادي قد تعافى تماماً أو أن الأزمة قد انتهت، بل يشير إلى محاولة حكومية لمواجهة التحديات الاقتصادية وتحسين الظروف المالية تدريجيا".
المشكلة أعمق من العملة!
وفي سياق متصل، يرى أبو دياب أن "إصدار فئات نقدية جديدة لا يُعد بأي حال من الأحوال دليلاً على عجز السلطات النقدية عن معالجة الأسباب الجذرية للأزمة الاقتصادية، فهذه الأسباب معروفة ومحددة، وتكمن أساسا في غياب الإصلاحات البنيوية، وعدم انتظام عمل المؤسسات العامة. والمعالجة الحقيقية تبدأ بإصلاح القطاع العام وإعادة هيكلته بطريقة فعالة، وهيكلة القطاع المصرفي بشكل يعيد الثقة بالنظام المالي، إلى جانب وضع خطة واضحة لاسترداد الودائع، وتحقيق الانتظام المالي".
ويضيف: "عندما تتوافر هذه الأسس، يمكن للاقتصاد أن يبدأ مساراً تصاعدياً، من خلال تشجيع الاستثمارات الجديدة، وإطلاق مشاريع البنى التحتية، مما يُعزز من الثقة بالبيئة الاقتصادية، وعندها، تكتسب العملة الوطنية قدرة شرائية فعلية، ويُصبح للاستقرار النقدي معنى ملموس في حياة المواطنين".
الليرة اللبنانية... خارج التداول؟
وأمام هذه المعطيات، يشدد أبو دياب على أن "الليرة اللبنانية أصبحت إلى حد كبير خارج دائرة التداول الفعّال في الحياة اليومية، نتيجة تراجع قيمتها وتفضيل الناس التعامل بالدولار أو وسائل دفع بديلة. لذلك، تسهيل استخدام العملة الوطنية وإعادة إدخالها إلى التداول اليومي يساهم في استعادة دور النقد المحلي كوسيلة للدفع والتبادل، أي إعادة الوظيفة الأساسية للعملة. وليس صحيحاً، كما يخشى البعض، أن إصدار فئة نقدية جديدة يعني بالضرورة الدخول في موجة جديدة من التضخم، بل على العكس، إذا تم ضبط الكتلة النقدية بشكل دقيق ومنظم، وجرى الإصدار ضمن سياسة نقدية متوازنة، فلن يؤدي ذلك إلى تضخم إضافي، بل قد يساهم في تعزيز الاستقرار النقدي وتنظيم التداول".
لا ثقة بلا إصلاح
أما بالنسبة لاستعادة الثقة بالعملة الوطنية، فيقول: "لا يمكن أن تتحقق بين ليلة وضحاها، بل هي مسار طويل ومعقّد يتطلب خطوات متكاملة على عدة مستويات. فالعملة ليست مجرد وسيلة للتبادل، بل هي مرآة تعكس ثقة الناس بالنظام المالي والمصرفي. وبالتالي، لكي تُستعاد هذه الثقة، يجب أولاً استعادة الثقة بالقطاع المصرفي، من خلال إصلاحات جذرية وشفافة تُعيد للمودعين حقوقهم، وتُرسّخ قواعد الحوكمة والمساءلة".
ويختم أبو دياب: "الثقة بالعملة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالسياسات المالية العامة للدولة، التي يجب أن تتسم بالانضباط والوضوح والاستدامة، وحين يبدأ المواطن يلمس جدّية الدولة في معالجة الملفات الاقتصادية، ومحاربة الفساد، وتنشيط الدورة الاقتصادية، يمكن حينها الحديث عن مسار حقيقي لاستعادة الثقة بالاقتصاد الوطني ككل. إنه مسار طويل يتطلّب رؤية واضحة، وإرادة سياسية صلبة، وعمل متواصل لا يعرف التسويات على حساب الشفافية أو العدالة".

alafdal-news
