طارق ترشيشي-خاصّ الأفضل نيوز
تردد في الإعلام الأميركي أن الرئيس دونالد ترامب نصح حليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ،بأن "لا تُنهِ حياتك السياسية قبل الأوان"، فإذا صحت هذه النصيحة فإنها تأتي في سياق العلاقة المعقدة بينهما، ولكن لفهم المعنى الضمني لها ينبغي إدراك أن ترامب يمتلك نفوذًا غير مسبوق على نتنياهو، وأن العلاقة بينهما تشهد تحولًا جوهريًا حيث أصبح الرئيس الأميركي هو من يحدد مسارها.
فرسالة العفو عن نتنياهو التي أرسلها ترامب إلى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ تدل على مستوى التدخل الأميركي غير المسبوق في الشأن الداخلي الإسرائيلي. فيما يعكس شكر نتنياهو لترامب على هذه الرسالة مدى اعتماده على هذا الدعم "الترامبي"، كما يظهر مثالًا حيًا ويوضح آلية العلاقة بينهما، ويظهر أيضا طريقة استخدام ترامب لنفوذه خصوصا عندما غضب من نتنياهو وضغط عليه لقبول خطته لوقف الحرب على قطاع غزة.
ومع أن البعض يستبعد أن يكون ترامب قال لنتياهو مباشرة ووجها لوجه "لا تُنهِ حياتك السياسية قبل الأوان"، فإن التعمق في طبيعة العلاقة التي تربط بينهما يقود إلى توقع حصول هذه النصيحة، خصوصا وأن هذه العلاقة تمر حاليا في مرحلة تحول تاريخي، حيث يمارس ترامب نفوذًا غير مسبوق على نتنياهو، الذي يستعد لموسم انتخابي يعتمد بدوره على دعمه لضمان بقائه السياسي في السلطة الإسرائيلية وخارحها.
بعض السياسيين المتابعين للعلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية يعطون النصيحة "الترامبية" لرئيس الوزراء الإسرائيلي ثلاثة تفسيرات مترابطة:
-أولا : قد يكون ترامب أراد من نصيحته لنتنياهو تحذيره من العزلة السياسية لأن استمراره في التصلب في الموقف من غزة ومن إيران، قد يقوده إلى عزلة دولية وشعبية، خصوصا وأنه كان قد قال له مباشرة في بعض المناسبات: "بيبي، لا يمكنك محاربة العالم". كذلك وصفه بأنه "سلبي دائمًا"، ما دل على أن صبره عليه له حدود.
-ثانيا : يبدو أن نتنياهو قد اقتنع بأن بقاءه في السلطة بات مرهونا بمدى قدرته على التكيف مع موقف ترامب والقبول بشروطه؛ إذ ربما يكون قد تعلم من أن التخلي عن الديموقراطيين وثنائية الحزب ووضع كل بيضه في سلة رئيس متقلب قد يكلف إسرائيل ثمناً باهظاً في حريتها للعمل.
-ثالثا : إن تدخل ترامب العلني لوقف محاكمة نتنياهو بالطلب من الرئيس الإسرائيلي العفو عنه يعكس رغبة في الدفاع عنه عبر إزالة التهديد الذي يواجه مستقبله السياسي، والحفاظ عليه كحليف قريب جدا منه ويشاركه مشاريعه لمنطقة الشرق الاوسط.
ويقول متابعون للشأن الإسرائيلي إن مثل هذه النصيحة - في حال صدورها - تعكس جوهر المرحلة الحالية في العلاقة بين الزعيمين: ترامب هو صاحب الكلمة العليا، ونتنياهو في موقع المتلقي الذي يجب عليه الاختيار بين الانصياع للضغوط الأميركية أو المخاطرة بمستقبله السياسي.
ولقد كان دفاع ترامب العلني عن نتنياهو إلى جانب طلبه العفو عنه من على منصة الكنيست في يوم إطلاق الأسرى الإسرائيليين من قطاع غزة أمرا لافتًا؛ حيث وجه دعوة مباشرة ومفاجئة للرئيس الإسرائيلي هرتسوغ قائلًا: "لدي فكرة، سيدي الرئيس، لماذا لا تعفو عنه؟".
واعتبر أن محاكمة نتنياهو هي "محاكمة سياسية غير مبررة"، وأن العفو سيكون خطوة نحو توحيد إسرائيل.
وقد أثار طلب ترامب هذا جدلاً واسعًا في الداخل الإسرائيلي، حيث انقسمت الآراء بين مؤيد ومعارض:
هرتسوغ رحب بموقف ترامب ودعمه لإسرائيل، لكنه رد برمي الكرة في ملعب نتنياهو، مشيرًا إلى أن "من يريد العفو عليه التقدم بطلب رسمي وفقًا للقواعد". فيما قال زعيم المعارضة يائير لابيد "إن الشرط الأول لمنح نتنياهو العفو هو الاعتراف بالذنب والتعبير عن الندم، وهو ما لم يفعله نتنياهو.
في حين أن صحيفة "هآرتس" المعارضة وصفت موقف ترامب بأنه "تدخل سافر" في الشوؤن الداخلية الإسرائيلية، متهمة الرئيس الأميركي بأنه "ينظر إلى إسرائيل على أنها محمية أميركية"، فيما وصفت "الحركة من أجل جودة الحكم" المعارضة طلب ترامب بأنه "ضغط سياسي غير قانوني" يلحق ضررًا بـ"المبادئ الديموقراطية" في إسرائيل ، أما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير المؤيد لنتنياهو فقد دعا الرئيس الإسرائيلي إلى "الاستماع لترامب" واصفًا التهم الموجهة إلى نتنياهو بأنها "ملفقة". وكذلك قال عضو الكنيست (من حزب الليكود) موشيه سعادة إن نتنياهو "يستحق التبرئة ".
وفي أي حال فإن تدخل ترامب لمصلحة نتنياهو لم يكن مجرد موقف عابر يطلقه سيد البيت الأبيض، بل كان مبادرة سياسية علنية ومباشرة وتدخلا مباشرا هز المشهد السياسي الإسرائيلي ووضع حليفه نتنياهو في موقف محرج، وكشف عن مأزق سياسي وقانوني حقيقي، إذ يرفض نتنياهو تقديم طلب العفو لأنه يعتبره اعترافًا ضمنيًا بالذنب، فيما يصر خصومه على أن المحاكمة يجب أن تستمر بلا تدخل خارجي وأن الكلمة الفصل في هذه القضية تكون للقانون أولا وأخيرا.
وكان القضاء الإسرائيلي بدأ محاكمة نتنياهو منذ عام 2020 في ثلاث قضايا فساد رئيسية، ولكنه يرفض الاتهامات الموجهة إليه ويتعبر أن من يقفون خلفها يهدفون إلى إخراجه من السلطة والإطاحة سياسيا به. وهذه القضايا هي:
ـ أولا: قضية خيانة الأمانة حيث تلقى نتنياهو وأفراد عائلته هدايا ثمينة (سيجار، شمبانيا، مجوهرات) من رجال أعمال، أبرزهم أرنون ميلشان وجيمس باكر، مقابل تقديم تسهيلات لهم.
ـ ثانيا: قضية خياانة الأمانة بإجراء محادثات سرية مع ناشر صحيفة "يديعوت أحرونوت" للحصول على تغطية إعلامية إيجابية له مقابل العمل على إضعاف صحيفة منافسة.
ـ ثالثا: قضية الرشوة وخيانة الأمانة من خلال منح تسهيلات تنظيمية لشركة "بيزك" للاتصالات، التي يملكها شاؤول ألوفيتش، مقابل الحصول على تغطية إيجابية على موقع "واللا" الإخباري الذي يملكه ألوفيتش، وهي أخطر القضايا.
وفي جلسة الاستماع التي عقدتها المحكمة في 11 من الشهر الجاري وبّخ القاضي فريدمان فيلدمان نتنياهو بسبب رده بانفعال على سؤال حول تلقيه هدايا، قائلًا: "لا أصدق أننا نناقش هذا الآن، عمَّ تتحدثون هنا؟ عن سيجار من صديق؟"، فطلب منه القاضي الإجابة عن السؤال "بلا أي تعليق".
وقد انتهت الجلسة بطلب فريق الدفاع عن نتنياهو من المحكمة تأجيل جلستة الاستماع إلى شهادته المقررة في 2 كانون الأول المقبل إلى شباط 2026، بحجة انشغاله في "قضايا أمنية مختلفة ". وهو يعتبر فصلا جديدا من المماطلة التي يمارسها نتنياهو مراهنا على حصول تطورات كبيرة يمكن أن تجعل محاكمته غير مبررة.

alafdal-news
