كريستال النوّار - خاصّ الأفضل نيوز
يواجه عالمنا اليوم تحديات ومآسيَ وأوجهاً متعدّدة من الظّلم وغياب المساواة، يرتبط كثير منها بالفساد. ومع وجود نحو 1.9 مليار شاب وشابة في العالم، تُعَدّ مكافحة الفساد أمراً حيويًّا لمُستقبل ما يقارب ربع سكان العالم، وفق الأمم المتّحدة.
يُصادف 9 كانون الأول "اليوم الدولي لمكافحة الفساد"، وتُركّز حملة هذا العام على أهمية الدور الذي يضطلع به حرّاس النزاهة من الشباب بوصفهم مدافعين ومناصرين يرفعون مستوى الوعي بالفساد وآثاره في مجتمعاتهم. ويُنتظر منهم أن يُشاركوا بفعالية في النقاشات وأن يتقاسموا تجاربهم وأن يقترحوا حلولاً مبتكرة لمكافحة الفساد، وتهدف الحملة إلى إعلاء أصوات قادة النزاهة في الغد وتمكينهم من التعبير عن شواغلهم وتطلّعاتهم، على أمل أن تُصغى إلى رسائلهم وتُترجم إلى عملٍ ملموس، كما ذكرت الأمم المتّحدة.
في لبنان، لا شكّ أنّ مكافحة الفساد تُعدّ عنواناً أساسيًّا يتصدّر الشّعارات، من دون أيّ قرارات تنفيذيّة على الأرض. فيحلّ هذا اليوم كمُناسبة للتوقّف أمام واقع يُثقل حياة اللبنانيّين ويمنعهم من عيش ما يستحقّونه من كرامة وأمان، في بلدٍ يملك طاقات شبابيّة هائلة لكنّه ما زال يصطدم بجدار الفساد السّميك".
ويأتي الشّعار الدولي "الاتحاد مع الشّباب ضدّ الفساد: صياغة نزاهة الغد" ليُسلّط الضّوء على القوّة الأكثر صدقاً في المجتمع، وهي الشّباب. هؤلاء الذين ما زالوا يؤمنون بالتّغيير رغم التعقيدات ويرفضون أن تكون حياتهم محكومة بخياراتٍ لم يصنعوها بأنفسهم.
مجرّد سوء إدارة؟
في بلدنا نُعاني من أوجه متعدّدة للفساد، ليتحوّل إلى "مرضٍ متفشٍّ" يتعدّى سوء الإدارة وهدر المال العام. مرضٌ يخشى المواطنون أن يكون مُزمناً بعدما اعتادوا على عوارضه وتداعياته، على عكس فئة الشّباب التي تؤكّد ضرورة عدم الاعتياد على هذا الواقع.
حتّى التفاصيل اليوميّة في حياة اللبنانيّين مليئة بالفساد، ومن أبرز أشكاله وقوف المواطن لساعاتٍ كي يُنهي مُعامَلة رسميّة كان يُمكن إنجازها بدقائق مع نظامٍ رقمي فعّال، الأبواب المُغلقة أمام فرصة عمل من دون وساطة، شعور المواطن بأنّ خدماته الأساسيّة من كهرباء وماء وصحّة وتعليم مرهونة بتوازنات لا دور له فيها...
هنا يُمكن القول إنّ هذا النّوع من الفساد يعتدي إلى الكرامة الإنسانيّة، وهي القيمة التي يتشبّث بها كلّ لبنانيّ حتّى في أصعب الظروف. فالكرامة ليست كلمة كبيرة بالنّسبة إليه تُرفع في المُناسبات، بل هي تفاصيل صغيرة تصنع شعور الفرد بأنّه مرئي ومُحترَم في بلده وأنّ مستقبله ليس رهينة حسابات معقّدة.
صياغة نزاهة الغد
إنّ شعار هذه السّنة ليس دعوةً للشّباب فقط، بل لكلّ المُجتمع كي يرى في هذه الفئة شريكاً لا مجرّد جمهور يُصفّق ويتلقّى "الصّفعات". فالنّزاهة، وانطلاقاً من أنّها أسلوب حياة يتبنّاه الناس جيلاً بعد جيل، يُعمَل عليها وليست شعاراً يتمّ التلويح به.
واليوم أكثر من أيّ وقتٍ آخر، يحتاجُ لبنان إلى أن يُعيد رسم صورته أمام نفسه أولاً، أمام شبابه، صورة بلدٍ يعرفُ أنّ كرامة الإنسان خطٌّ أحمر وأنّ الفساد ليس قدراً وكلّ تغيير يبدأ من قرارٍ بسيط مع إرادة صلبة، قرار بأن نقول "لا" لما اعتدنا أن نقبله وأن نمدّ اليد إلى مَن يُريد أن يبني معنا، لا إلى مَن يريد أن يُكرّر الماضي ويهدم المُستقبل.
الحلول ليست مُستحيلة
نحن لا نتحدّث عن معجزة، إنّما حلول واقعيّة تُساعدنا على الخروج من دوامة الفساد. المطلوب خطوات عادلة وقابلة للتطبيق بعيداً منن الاتّهامات والمصالح الشخصيّة.
ومن أبرز ما يُمكن العمل عليه:
- تعزيز الشفافية عبر الرقمنة، انطلاقاً من أنّ التكنولوجيا تُمثّل العدو الأوّل للفساد. فكلّ خدمة تتحوّل إلى إجراء رقميّ تُغلق الباب أمام الوساطات والمحسوبيّات.
- دعم استقلالية القضاء، لأنّ القضاء المُستقلّ يُشكّل ضمانة للجميع ويُفعّل المُحاسبة من دون تفرقة.
- إشراك الشباب في صناعة القرار، إذ يجب أن يكونوا جزءاً فعليًّا من السياسات العامة وفي كلّ المؤسّسات من الجامعات إلى البلديّات والمبادرات الوطنيّة.
- نشر ثقافة المُحاسبة اليوميّة، لأنّ مكافحة الفساد عبارة عن مُمارسة يوميّة وليست ظرفيّة فالفساد لا يسقط بضربة واحدة بل بتغيير ثقافة كاملة. وهنا نشدّد على خطوات بسيطة مثل طلب الفاتورة، التبليغ عن الرشاوى، احترام الدور، رفض التمييز، وغيرها من التصرّفات المشابهة.
- بناء مؤسسات تُشجّع النزاهة، فعندما يشعر الموظّف أنّه محميّ وأنّ ترقيته مُرتبطة بجدارته وليس بالوساطة، يختار النزاهة بلا تردّد.
أخيراً، بناء نزاهة الغد يتطلّب من الحكومات والشّركات والمؤسّسات التعليميّة والمُجتمع المدني والشّباب أن يتّحدوا من أجل هدفٍ مُشترك: مُستقبل لا يُعيق فيه الفساد الفرص، ولا يُقوّض التقدّم والثقة.
في اليوم الدولي لمُكافحة الفساد، لبنان يستحقّ الأفضل.

alafdal-news
