محمد علوش - خاص الأفضل نيوز
منذ توقيع اتفاق وقف النار وما تلاها من أحداث تحولت لجنة "الميكانيزم" من مجرّد تفصيل تقني ملحق بالتفاهمات الأمنية جنوب الليطاني، إلى عنصر سياسي ضاغط يفرض نفسه على النقاش الداخلي اللبناني، كإطار مفتوح على احتمالات التوسّع والتأويل وإعادة التعريف كون مهمتها الأساسية غير محترمة، ولا تُطبق آلياتها سوى على الجانب اللبناني، لذلك من الضروري السؤال اليوم بعد اقتراب انتهاء المرحلة الأولى من عمل الجيش اللبناني، وتطبيق ما نص عليه الاتفاق جنوب الليطاني عن مصير هذه الآلية ووظيفتها، فهل هي محدودة الوظيفة والمكان، أم سنكون أمام مدخل لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك من جديد؟
من الناحية الشكلية، يُفترض بحسب مصادر سياسية متابعة، أن وظيفة الميكانيزم محصورة بجنوب الليطاني، في سياق متابعة تطبيق التفاهمات القائمة وضمان عدم الانزلاق إلى مواجهة واسعة بعد تطبيق القرار 1701، وهذا هو التعريف الرسمي الذي تلتزم به الدولة اللبنانية سياق التزاماتها، وهو تعريف يقوم على فكرة "التعاون التقني" لا أكثر، غير أن ما يجري عملياً على الأرض يكشف فارقًا كبيراً بين النص والتطبيق، إذ إن طبيعة الطلبات التي تُقدَّم، ونوعية الأسئلة المطروحة، وحجم المعلومات التي يُطلب تبادلها، توحي بأن الإطار المرسوم يتبدل لحساب دور أوسع لم يُعلن عنه رسمياً بعد.
هنا تحديداً تبدأ الإشكالية. فالميكانيزم تعمل ضمن بيئة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، حيث أي توسّع غير مضبوط في الصلاحيات يتحول تلقائياً إلى مشهد سياسي جديد، إذ تكشف المصادر عبر "الأفضل" أن أسئلة الميكانيزم تحولت من "ما يجري جنوب الليطاني" إلى "كيف يُدار المشهد الأمني اللبناني ككل"، وبالتالي نحن أمام مشهد جديد من مشاهد الوصاية الأجنبية الأمنية ولو كانت غير معلنة.
وترى المصادر أن هذا الواقع سينعكس انقساماً داخل الحكومة نفسها، بين فريق يرى أن أي تمديد "مكاني" لدور الميكانيزم خارج الإطار الجغرافي والسياسي المتفق عليه يشكّل سابقة خطيرة، لأنه يفتح الباب أمام تحويل آلية مؤقتة إلى مظلة دائمة للتدخل غير المباشر، وفريق آخر يتعامل مع المسألة بمرونة مفرطة، ويعتبر أن الواقع الأمني الضاغط، والاختلال الكبير في موازين القوى، والضغوط الدولية المتصاعدة، تفرض التعامل مع الميكانيزم كأمر واقع، وهذا الفريق يرى أن التعاون، حتى لو اتّخذ طابعاً أوسع، يبقى أقل كلفة من المواجهة المفتوحة.
تُشير المصادر إلى أن المرحلة المقبلة تبدو أكثر حساسية، لا سيما مع الانتقال إلى البحث الجدي في ملف حصر السلاح من جنوب الليطاني إلى شماله، وهنا تصبح الميكانيزم، إذا لم تُرسم لها حدودًا واضحة، جزءاً من معركة إعادة تعريف الدولة ووظيفتها. في هذا السياق، الخطر لا يكمن فقط في توسيع صلاحيات الميكانيزم، بل في تطبيع هذا التوسيع، وتحويله إلى أمر اعتيادي لا يستدعي نقاشاً أو مساءلة، فهل ستتدخل الميكانيزم شمال الليطاني بفعالية تشبه ما قامت به جنوب النهر؟ وهل ستطلب تفتيش نقاط ومنازل على كامل المساحة اللبنانية في وقت قريب؟
من هنا، فإن النقاش حول الميكانيزم يجب أن يتحول إلى نقاش سيادي بامتياز، يتعلّق بحدود القرار الوطني، وبمن يملك الحق بالتدخل في شؤون البلد الأمنية.

alafdal-news
