راما الجراح - خاصّ الأفضل نيوز
تُكذّب الوقائع الميدانية حتى الآن مفاعيل قرار وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية بأشكالها المختلفة، من اغتيالات واستهدافات جوية وقصف مدفعي، كان آخرها القصف الذي طال البقاع الغربي، ولا سيما بلدتي المنارة وعين التينة، إضافة إلى مناطق جنوبية امتدت وصولاً إلى مدينة صيدا، ما أعاد خلط المشهد الأمني ورفع منسوب القلق من مسار المرحلة المقبلة.
وتطرح هذه التطورات أسئلة أساسية حول طبيعة ما يجري على الجبهة اللبنانية، بين من يعتبره ضغطًا عسكرياً وسياسياً محسوباً، وبين من يرى فيه مؤشرات إلى مسار تصعيدي أوسع، خصوصاً مع اتساع رقعة الاستهداف جغرافياً وخروجها عن الإطار التقليدي للمواجهات جنوباً.
ويأتي ذلك بعدما تم إقرار اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل ودخل حيز التنفيذ في 27 نوفمبر 2024، في سياق ضغوط دولية وإقليمية هدفت إلى منع توسع المواجهة، وربطه بتطبيق قرار مجلس الأمن الرقم 1701، ولا سيما لجهة وقف الأعمال العدائية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، إلى جانب دور داعم لقوات "اليونيفيل". غير أن مصادر سياسية مطلعة تشير إلى أن هذا المسار بقي حتى الآن أحادي الجانب، في ظل التزام لبناني بالإجراءات المطلوبة مقابل غياب أي التزام عملي إسرائيلي بوقف الخروقات.
وتُظهر التطورات الميدانية المتلاحقة أن الخروقات لم تتوقف منذ إقرار وقف إطلاق النار، إذ سُجلت استهدافات متفرقة في الجنوب، وعمليات اغتيال نفذتها طائرات مسيرة داخل الأراضي اللبنانية، فضلاً عن خروقات جوية شبه يومية. ويُعد القصف الذي طال البقاع الغربي تطوراً نوعياً من حيث التوقيت والمكان، قبل أن يمتد جنوباً، في رسالة وُصفت وفق مصادر أمنية بأنها تتجاوز البعد العسكري لتطال الإطارين السياسي والتفاوضي.
وفي هذا السياق، أدان رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون الاعتداءات الإسرائيلية التي استهدفت مناطق بقاعية وجنوبية، معتبراً أنها تثير علامات استفهام كثيرة، ولا سيما أنها وقعت عشية اجتماع لجنة "الميكانيزم"، المفترض أن تشكل إحدى الأدوات العملية لتثبيت وقف الأعمال العدائية والانتقال إلى إجراءات ميدانية تضمن إعادة الأمن والاستقرار، بما يشمل انسحاب القوات الإسرائيلية حتى الحدود الجنوبية، وإطلاق الأسرى اللبنانيين، واستكمال انتشار الجيش اللبناني تنفيذاً لقرار مجلس الأمن 1701.
وشدّد الرئيس عون على أن مواصلة إسرائيل لاعتداءاتها تهدف إلى إفشال المساعي المبذولة محلياً وإقليمياً ودولياً لاحتواء التصعيد، رغم التجاوب الذي أبداه لبنان على مختلف المستويات، والإجراءات التي اعتمدتها الحكومة لبسط سلطتها جنوب الليطاني، والتي نفذها الجيش اللبناني بحرفية والتزام ودقة. ودعا في المقابل المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته، بما يسمح للجنة "الميكانيزم" بالقيام بدورها ضمن مناخ سياسي وأمني داعم، لا تحت ضغط الوقائع المفروضة ميدانياً.
ويُفهم من مسار عمل لجنة "الميكانيزم"، بحسب مصادر متابعة، أنها ليست مجرد إطار تقني لرصد الخروقات، بل جزء من توازن دقيق يفترض أن يواكب التهدئة ويمنع انهيارها. إلا أن تزامن التصعيد الإسرائيلي مع اجتماعاتها يعكس، وفق هذه المصادر، محاولة واضحة لإفراغها من مضمونها العملي، أو على الأقل فرض وقائع ميدانية تُضعف قدرتها على إنتاج نتائج ملموسة.
وتُرجح مصادر سياسية وأمنية مطلعة أن يكون ما يجري جزءاً من تصعيد محسوب تستخدمه إسرائيل كأداة ضغط لتحسين شروطها، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اتخاذ قرار فوري بالذهاب إلى حرب شاملة. غير أن هذه المصادر تحذر في الوقت نفسه من أن توسيع دائرة الاستهداف، ولا سيما انتقال القصف إلى مناطق بقاعية وامتداده جنوباً وصولاً إلى صيدا، يرفع مستوى المخاطر ويجعل الساحة اللبنانية أكثر عرضة لأي خطأ في الحسابات أو تبدّل مفاجئ في المعادلات الإقليمية.
وتبقي هذه المعطيات الأوضاع مفتوحة على أكثر من احتمال، في ظل وقف إطلاق نار هشّ، وخروقات متواصلة، وجهود دبلوماسية لم تنجح بعد في فرض التزام فعلي بالتهدئة. وبين النصوص الدولية والوقائع الميدانية، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كان لبنان يمر في مرحلة ضغط محدودة، أم يقف على عتبة تصعيد قد يعيد خلط الأوراق على مساحة أوسع من أراضيه؟

alafdal-news
