عماد مرمل - خاص الأفضل نيوز
ما بعد الهجوم الأميركي على فنزويلا ليس كما قبله بالتأكيد، إذ إن ما حصل في جنح الظلام ليس مجرد عمل عسكري في سياق النزاعات بين الدول، بل هو انقلاب على مجموعة من القواعد والأعراف التي تضبط إيقاع العالم وأزماته.
بهذا المعنى، كشف الاعتداء الأميركي الصادم واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته عن هشاشة الواقع الدولي وهزالته في ظل طغيان القوة الأميركية على كل المعايير القانونية والأخلاقية التي ينبغي أن تكون ناظمة لدوران الكرة الأرضية.
ربما يكون البعض قد انبهر بمجريات العملية العسكرية التي نفذتها القوات الأميركية في قلب كاراكاس، ونجاحها في اقتياد مادورو وزوجته إلى داخل الولايات المتحدة، لكن مؤثرات هذا الفيلم الهوليوودي للكاوبوي الأميركي يجب ألا تحجب البصيرة والبصر عن التداعيات الوخيمة المترتبة عليه، ومن بينها:
- توجيه ضربة للمرجعيات الدولية المعتمدة لحل النزاعات، مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، اللذين سقط دورهما في شوارع كاراكاس، وباتا شاهدي زور على البلطجة الأميركية، بفعل عجزهما عن تأمين الحماية والضمانة لمن يحتاج إليهما.
- تهاوي الحصانة التي يُفترض أن يحظى بها كل رئيس جمهورية منتخب قانونيًا ودستوريًا، وبالتالي فإن أي رئيس في العالم يغضب منه أو عليه دونالد ترامب قد يلقى المصير نفسه لمادورو، وسط عدم احترام الرئيس الأميركي لأي ضوابط في العلاقات الخارجية ودوسه على كل المحرمات، من دون أن يكون هناك رد فعل عالمي متناسب لمنع تكرار هذه "البلطجة".
- انكشاف الاختلال الحاد في توازنات النظام العالمي الهش لصالح الولايات المتحدة، على حساب موقع روسيا والصين، اللتين تبدوان حتى الآن وكأنهما انحنتا أمام العاصفة الأميركية التي هبّت على فنزويلا، ربطًا بحساباتهما وأولوياتهما، بمعزل عن التصريحات الاستنكارية التي لا تقدم ولا تؤخر، في حين كان ينبغي أن تتصرفا على نحو مغاير، يتلاءم مع كونهما دولتين كبيرتين، ويسمح بلجم اندفاعة ترامب العابرة للحدود والكاسرة للخطوط الحمراء.
- تهشيم مفهوم سيادة الدول، التي أصبحت "وجهة نظر"، وباتت مجرد ريشة في مهب الريح الأميركية، من دون أن تكون المواثيق والقوانين الدولية كفيلة بحمايتها، فيما يجاهر ترامب بشهيته المفتوحة على النفط الفنزويلي.
- تكريس الاستنسابية والانتقائية في المعايير، إذ إن ترامب، الذي هاجم فنزويلا تحت ذريعة أن رئيسها مطلوب للعدالة الأميركية، ربطًا باتهامات موجهة إليه حول تهريب المخدرات، هو نفسه يضغط لتبرئة بنيامين نتنياهو من قضايا الفساد التي تلاحقه في الكيان الإسرائيلي أو لإصدار عفو عنه، إضافة إلى أنه غطّى الجريمة الأخلاقية التي ارتكبها نتنياهو من خلال حرب الإبادة التي شنّها على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
رغم ذلك كله، يبقى الأمل، ولو ضئيلاً، في أن تدفع صدمة مهاجمة فنزويلا واحتجاز رئيسها المتضررين من شريعة الغاب إلى مراجعة خياراتهم وإعادة تنظيم صفوفهم، لمنع واشنطن من الاستفراد بكل من يخالف إرادتها.

alafdal-news
