نوال أبو حيدر-خاصّ الأفضل نيوز
في قلب شوارع لبنان، يرتسم مشهد يحيّر علماء الاجتماع، مطاعم محجوزة بالكامل، سيارات فخمة تصطف أمام المقاهي، ووجوه تضج بالأناقة، لكن خلف هذا الستار المخملي تختبئ دراما اجتماعية مريرة تمثل ظاهرة "الفقر الأنيق" التي يختارها اللبناني طوعاً لتجنب نظرة الشفقة التي قد يرميها به مجتمعه، حيث تحول المظهر الخارجي من كونه علامة للرفاهية إلى وسيلة للبقاء المعنوي في بيئة تنهار فيها القيم المادية بسرعة كبيرة.
فقر "مودِرن"
إن اللبناني اليوم لا يشتري "الماركة" لجمالها أو جودتها فحسب، بل يشتري بها اعترافاً اجتماعياً يمنحه وقاية مؤقتة ضد التهميش، ففي علم النفس الاجتماعي يُسمى هذا "الاستهلاك التفاخري"، لكنه في النسخة اللبنانية المعاصرة تحول إلى استهلاك دفاعي محض وجزء من غريزة المقاومة، فحين خسر اللبناني مدخراته في المصارف وتعرضت كرامته للاهتزاز أمام أبواب المؤسسات الرسمية، لم يتبقَّ له سوى هيكله الخارجي ليثبت لنفسه وللآخرين أنه لا يزال حيًّا وموجوداً، فالماركة على الكتف هي بمثابة درع سيكولوجي يحميه من وصمة "المعتّر" ويمنع انزلاقه نفسيا نحو طبقة يشعر بالرعب من الانتماء إليها، وهي محاولة يائسة للإيحاء بأن جذور الأزمة لم تكسره.
"سيكولوجية الطاولة"
هذه الازدواجية تتجلى بوضوح صارخ في "سيكولوجية الطاولة" حيث تزدحم المقاهي والناس يشكون الغلاء الفاحش، لأن اللبناني بات يعتبر "الضهرة" جزءاً من صيانة هويته الوجودية لا مجرد رفاهية عابرة. فالبيت اللبناني الذي بات في كثير من الأحيان مظلماً بسبب انقطاع التيار الكهربائي، وبارداً ومثقلاً بأحاديث الهموم اليومية، يدفع بصاحبه للهروب القسري إلى المقهى بحثاً عن الضوء والضجيج الذي يوهمه بأنه لا يزال جزءاً من العالم الحيوي، حتى لو اضطر لدفع آخر مئة دولار يملكها مقابل سهرة واحدة بدافع الخوف من التقوقع، في العرف الاجتماعي اللبناني السائد في يومنا هذا.
تكنولوجيا الوَهم
قد لعبت التكنولوجيا الرقمية دوراً تخريبياً في تعميق هذا التفاوت الوجداني، إذ أصبح اللبناني يعيش لصالح عدسة الهاتف أكثر مما يعيش لصالح نفسه، فتجد الشخص يصور طبق الطعام الفاخر أو فنجان القهوة في موقع مميز وهو في الحقيقة قد حُرم من أساسيات بديهية في منزله لأسبوع كامل لتسديد ثمن هذه اللحظة العابرة، وهذا التزييف المنهجي للواقع خلق حالة من المنافسة السامة والمدمرة بين العائلات. فكل عائلة تحاول جاهدة إثبات أنها "صامدة" وميسورة أكثر من غيرها، مما أدى إلى استنزاف ما تبقى من مدخرات شحيحة في سبيل "ستوري" مدته أربع وعشرون ساعة فقط، يزول أثره فوراً.
أمان استعراضي
إن الخطر الحقيقي الكامن في هذه الظاهرة هو تآكل شبكة الأمان الحقيقية، كالصحة والتعليم والادخار، لصالح "البرستيج" الذي لا يطعم خبزاً، فقد نجد شخصاً ينتعل حذاءً بآلاف الدولارات لكنه يرتعد خوفاً من عارض صحي طارئ لأنه لا يملك تأميناً يحميه، وهذا التكاذب المشترك يمنع بناء تكافل اجتماعي حقيقي قائم على الواقعية. فالكل يعرف في قرارة نفسه أن الكل يعاني ويصارع، لكن الجميع يصر على تمثيل دور المتمكّن في مسرحية كبرى يؤديها المجتمع ببراعة.
عودة للواقع
في الخلاصة، إن عبارة "الجوع في البطن والماركة على الكتف" ليست مجرد نكتة أو مفارقة عبثية، بل هي صرخة خفيّة لإنسان يرفض السقوط في قاع النسيان، ويحاول التشبث بخيوط واهية من حياة كان يمتلكها يوماً، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو إلى متى يمكن لهذه القشور أن تصمد أمام رياح الانهيار العاتية؟ وإلى متى يمكن للبرستيج أن يرمم مجتمعاً بات يخشى مواجهة اللب ويفضل العيش في فقاعة من الأوهام؟ إن التعافي الاجتماعي الحقيقي في لبنان يبدأ من اللحظة التي نتصالح فيها مع واقعنا المعاش دون خجل، ونبني فيها قيمتنا الإنسانية على ما نحن عليه فعلاً، وعلى قدرتنا على التضامن الحقيقي، لا على ما نرتديه أو نستعرضه عبر الشاشات.

alafdal-news
