طارق ترشيشي - خاص الأفضل نيوز
ارتفع في الآونة الأخيرة منسوب المؤشرات السياسية والعسكرية التي تعيد إلى الواجهة سيناريو توجيه ضربة أميركية–إسرائيلية ضد إيران، في ظل تصعيد غير مسبوق في الخطاب، وتحركات عسكرية لافتة، وتباين واضح في تقدير الموقف بين أطراف الصراع الإقليمي والدولي.
الإدارة الأميركية، عبر وزارتي الدفاع والخارجية، تؤكد أن إيران اليوم "أضعف وأكثر عرضة للخطر مما كانت عليه منذ عقود"، في إشارة واضحة إلى تراجع نفوذ محور إيران الإقليمي، بعد الضربات التي طاولت "حزب الله" وحركة "حماس".
وهذا التوصيف لا يبدو عابراً، بل يندرج في إطار تهيئة الرأي العام لاحتمالات أكثر حدّة، خصوصاً مع التأكيد الأميركي المتكرر أن واشنطن "لن تسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي".
وعلى الرغم من حديث الخارجية الأميركية عن تعدد الخيارات، فإن حصر قرار العمل العسكري بيد الرئيس دونالد ترامب وحده يعكس مركزية القرار، ويترك الباب مفتوحاً أمام تحرّك مفاجئ، وإن كان مؤجلاً لحسابات داخلية إيرانية، كما أشار السفير الأميركي لدى إسرائيل.
من جهته، يتعامل الجيش الإسرائيلي مع التسريبات حول ضربة محتملة بحذر مدروس. فهو يؤكد جاهزيته "للدفاع والهجوم" من دون الإعلان عن نية مباشرة، مع التشديد على عدم الانجرار وراء الشائعات.
ويعكس هذا الموقف عقيدة إسرائيلية تقليدية تقوم على الغموض العملياتي، مع الحفاظ على أعلى درجات الاستعداد، خصوصاً في ظل تنسيق استراتيجي عميق مع واشنطن.
في المقابل، تستبعد طهران احتمالية تعرضها لهجوم، معتبرة أن "العدو لا يجرؤ" على ذلك.
وتصريحات قادة الحرس الثوري الإيراني بالتأكيد أن "اليد على الزناد" والسيطرة الكاملة على مضيق هرمز، تهدف إلى تعزيز الردع، وطمأنة الداخل، وتوجيه رسالة مفادها أن أي ضربة لإيران لن تمرّ بلا كلفة إقليمية كبرى.
غير أن هذا الخطاب التصعيدي الإيراني يتناقض مع واقع الضغوط الاقتصادية الخانقة والاحتجاجات الداخلية، وهي عوامل تعترف أطراف دولية، بينها تركيا، بأنها تلعب دوراً أساسياً في زعزعة الاستقرار الداخلي الإيراني.
ومن هنا جاء تحذير وزير الخارجية التركي حقّان فيدان من تكرار "سيناريو فنزويلا"، ليعكس قلقاً إقليمياً من أن يؤدي أي تدخل عسكري ضد إيران إلى فوضى طويلة الأمد، بدل تحقيق أهدافه المعلنة. فأنقرة ترى أن العقوبات، لا العمل العسكري، هي المحرّك الأساسي للاحتجاجات في الشارع الإيراني، وتؤكد أن إيران قد تكون مستعدة للتفاوض إذا لم تشعر بأنها محاصرة بالكامل.
لكن التقارير الإسرائيلية، ولا سيما منها ما أوردته صحيفة "معاريف"، حول نقل حاملات طائرات وقاذفات استراتيجية إلى المنطقة، تشكّل أحد أخطر المؤشرات الميدانية إلى الضربة ضد إيران. فهذه التحركات لا تُقرأ عادةً كاستعراض قوة فقط، بل كجزء من استعداد فعلي لخيارات عسكرية، حتى وإن كانت تهدف في مرحلتها الأولى إلى زيادة الضغط السياسي والنفسي على طهران.
وفي ضوء كل هذه المعطيات، يبدو أن سيناريو الضربة الشاملة ضد إيران لا يزال مستبعداً، نظراً إلى كلفته الإقليمية والدولية العالية، واحتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة تشمل مضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية.
في المقابل، يظل احتمال ضربة محدودة أو عمل عسكري دقيق قائماً، سواء لاستهداف منشآت نووية أو توجيه رسالة ردع قاسية، دون التسبب بنشوب حرب شاملة.
في أي حال، تبدو إيران اليوم أنها تقف عند مفترق طرق حرج: ضغوط داخلية متصاعدة، تهديدات خارجية جدية، وتحركات عسكرية لا يمكن تجاهلها. وبينما ترفع طهران منسوب التحدي، وتلوّح واشنطن وتل أبيب بكل الخيارات، يبقى السؤال المطروح: هل سيكون التصعيد أداة ضغط لفرض التفاوض، أم مقدّمة لانفجار محسوب؟
الجواب على هذا السؤال مرهون بتوازن دقيق بين الردع، وحسابات الكلفة، وقدرة الأطراف جميعها على تجنب الخطأ في الحسابات. فالحرب، إن بدأت، تُعرَف بدايتها، لكن نهايتها لا يعرف طبيعتها أحد، إلَّا لحظة توقف الحرب.

alafdal-news
