طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
عبارة الـ“جهة ما” التي استخدمها رئيس مجلس النواب نبيه بري في معرض حديثه عن احتمال تعطيل الانتخابات النيابية ليست تفصيلاً لغوياً عابراً. في السياسة اللبنانية، الغموض غالباً مقصود، والتلميح أبلغ من التصريح. وعندما يصدر هذا التعبير عن شخصية تمسك بخيوط اللعبة النيابية منذ عقود، فإن الرسالة تتجاوز الكلمات إلى ما وراءها.
لم يُسمِّ بري طرفاً بعينه، لم يتهم حزباً، ولم يشر مباشرة إلى جهة داخلية أو خارجية تعمل على تعطيل الانتخابات، لكنه في الوقت نفسه وضع احتمال التعطيل في التداول العلني، محذّراً من مسار قد يقود إلى ضرب هذا الاستحقاق الدستوري ، وهنا تحديداً تكمن أهمية عبارة الـ"جهة ما" فهي لا تتهم بمقدار ما تنذر، ولا تكشف بمقدار ما تلمّح.
وفي العرف السياسي اللبناني، إن تسمية الخصم تعني فتح مواجهة مباشرة معه، بينما الإيحاء يترك باب التسويات مفتوحاً، وبري، المعروف ببراغماتيته، يدرك أن إدارة التوازنات السياسية والنيابية تتطلب أحياناً إطلاق تحذير عام يطاول الجميع من دون إحراج طرف محدد؛ فـ“الجهة ما” قد تكون واحدة، وقد تكون أكثر من جهة، وقد تكون تقاطع مصالح لا يختزل باسم واحد، والغموض هنا يؤدي وظيفة مزدوجة:
يوجّه رسالة ردع لأي طرف يفكر فعلاً باستيلاد ظروف ومبررات لتأجيل الانتخابات، وفي الوقت نفسه يمنح بري موقع الحريص على احترام المهل الدستورية.
ولكن لفهم خلفية هذا "التحذير البرّي"، لا بد من طرح السؤال الأساسي: من يخشى الانتخابات في هذه المرحلة؟
فالانتخابات المقبلة لن تُجرى في ظروف طبيعية حيث أن لبنان يعيش أزمة اقتصادية ومالية ونقدية غير مسبوقة، وتحولات اجتماعية عميقة، ومزاجاً شعبياً متقلباً، في مثل هذا المناخ، يصعب على القوى السياسية التقليدية وغير التقليدية أن تتنبأ بدقة بنتائج صناديق الاقتراع:
ـ اولاً، هناك قوى سياسية قد تخشى تراجع تمثيلها الشعبي نتيجة النقمة العامة على الطبقة السياسية، وأي استحقاق انتخابي في ظل هذا الغضب يحمل خطر إعادة رسم الخريطة النيابية، ولو جزئياً.
ـ ثانياً، هناك من يطرح تعديل قانون الانتخاب النافذ المقر عام 2018، سواء في ما يتعلق باقتراع المغتربين أو توزيع الدوائر أو آليات الاحتساب ، لكن أي تعديل واسع قبل موعد الانتخابات قد يستلزم وقتاً إضافياً، ما يفتح الباب عملياً أمام تأجيل تقني يتحول سياسياً، خصوصاً إذا طرأت ظروف قاهرة غداة هذا التأجيل التقني.
ـ ثالثاً، هناك مستفيدون من بقاء التوازن الحالي كما هو في مجلس النواب. فهو مجلس بلا أكثرية واضحة، ويمتلك فيه الأطراف المتنافسون، حتى لا نقول "المتخاصمون" سياسياً قدرة تعطيل متبادلة، ومشهد يسمح بإدارة اللعبة من داخل التعقيد نفسه، وأي انتخابات جديدة قد تعيد خلط الأوراق وتنتج وقائع مختلفة، سواء لمصلحة قوى تقليدية أو تغييرية أو لمصلحة تحالفات مستجدة.
على أنه لا يمكن فصل الاستحقاق النيابي عن المناخ الإقليمي؛ فلبنان تاريخياً يتأثر بالتحولات والتطورات المحيطة به. وإذا كانت المنطقة تمر الآن في مرحلة إعادة تموضع أو انتظار تسويات كبرى، فقد يرى بعض الأفرقاء السياسيون أن تثبيت موازين قوى جديدة عبر إجراء الانتخابات في موعدها قبل اتضاح الصورة الإقليمية لن يكون خياراً مريحاً.
ويتضح من هذه القراءة، أن "الجهة ما" التي تحدث عنها بري ليست بالضرورة حزباً بعينه، أو جهة يعينها، بل شبكة مصالح تتقاطع فيها الحسابات الداخلية مع الإشارات الخارجية، والتعطيل، إن حصل، لن يكون قراراً تقنياً صرفاً، بل نتيجة توازنات أوسع من ذلك بكثير.
وإذ تسأل في هذا السياق أوساطًا سياسية معنية:هل التعطيل ممكن؟ تجيب: "إن تعطيل الانتخابات النيابية يشكل خطوة ثقيلة الكلفة، فهو قد يعرّض لبنان لضغط دولي مباشر، ويهز شرعية المؤسسات، ويفتح باب الطعن في شرعية السلطة نفسها. لذلك، إن حصل التعطيل، فسيأتي غالباً عبر مبررات قانونية أو إدارية، لا عبر إعلان سياسي صريح".
من هنا يمكن فهم كلام بري على أنه تحذير استباقي يقوم على المعادلة الآتية: تثبيت المبدأ بأن الانتخابات يجب أن تُجرى في موعدها، ووضع أي محاولة للتأجيل تحت مجهر المساءلة السياسية المسبقة.
كما أن عبارة الـ "جهة ما” قد تكون أقرب إلى أداة ضغط منها إلى اتهام مباشر لأي جهة؛ فهي تضع الجميع أمام مسؤولياتهم، وتحوّل احتمال التعطيل من همس في الكواليس إلى موضوع نقاش علني عام.
وفي لبنان، غالباً ما يكون ما لا يُقال أهم مما يُقال. ولكن بين التلميح والتصريح، يبقى السؤال: هل كان تحذير بري غير المباشر مجرد خطوة احترازية في لعبة التوازنات، أم أن في الأفق فعلاً من يفضّل تأجيل الانتخابات إلى حين تبدّل الرياح؟
بالتأكيد، إن الجواب على هذا السؤال، كما هي الحال دائماً في السياسة اللبنانية، مرهون بما ستكشفه الأحداث والتطورات السياسية المرتقبة في الفترة لفاصلة عن موعد الانتخابات المحدد رسمياً في 3 أيار المقبل.

alafdal-news
