نوال أبو حيدر - خاصّ الأفضل نيوز
شكّل المسار التقليدي للاندماج الاجتماعي في لبنان، لسنوات طويلة، مساراً شبه بديهي في وعي المجتمع: دراسة جامعية تليها وظيفة ثابتة، ثم زواج وتأسيس أسرة، وصولاً إلى قدر من الاستقرار. كان هذا النموذج يتكرّر في معظم البيوت اللبنانية، ويُنظر إليه كخطّ طبيعي للانتقال من الشباب إلى الرشد.
إلا أنّ هذا المسار لم يعد يعكس واقع اليوم. فمع تفاقم الأزمات الاقتصادية والانهيار المالي الذي شهده البلد منذ عام 2019، تبدّل المشهد جذرياً. في عام 2026، يجد كثير من الشباب أنفسهم بين بطالة طويلة الأمد، أو أعمال مؤقتة وغير منظّمة، أو وظائف برواتب لا تكفي لتأمين أبسط متطلبات العيش الكريم. لم يعد الانتقال من الجامعة إلى سوق العمل خطوة مضمونة، بل أصبح محفوفاً بالقلق والضبابية.
هذا الواقع لا يظهر فقط في الأرقام، بل في تفاصيل الحياة اليومية، مثل تأجيل الزواج، والاعتماد المستمر على دعم العائلة، والتفكير الدائم بالهجرة، أو الجمع بين أكثر من عمل لتأمين الحد الأدنى من الدخل. هكذا، لم يعد المسار التقليدي قاعدة عامة كما كان، بل تحوّل إلى استثناء في مجتمع يواجه تحوّلات عميقة تمسّ بنية الاستقرار نفسه.
فجوة التعليم والعمل
أولى حلقات هذا التفكك تبدأ من العلاقة بين التعليم وسوق العمل. فالشهادة الجامعية لم تعد ضمانة للوظيفة كما كانت في السابق. آلاف الخريجين يدخلون سوقاً محدود الفرص، أو يجدون أنفسهم في وظائف لا تمتّ بصلة إلى اختصاصاتهم. هذا الانفصال بين التعليم والعمل أضعف الثقة بجدوى المسار الأكاديمي التقليدي، وولّد شعوراً بالإحباط لدى الشباب الذين استثمروا سنوات من أعمارهم في تحصيل علمي لا يضمن لهم الاستقرار.
هشاشة العمل
أما الحلقة الثانية فتتمثل في هشاشة العمل نفسه. فالعقود المؤقتة، والعمل الحرّ غير المنتظم، والوظائف الموسمية أصبحت أشكالاً سائدة. هذه الأنماط تفتقر إلى الضمانات الصحية والاجتماعية، ولا توفّر دخلاً ثابتاً يسمح بتخطيط طويل الأمد. ونتيجة لذلك، تأخّر سنّ الزواج بشكل ملحوظ، وتراجعت القدرة على تأسيس أسرة مستقلة. لم يعد القرار مرتبطاً بالرغبة الشخصية فحسب، بل أصبح رهينة الاستقرار المالي المفقود.
تأثير الأزمات على الأسرة والشباب
هذا الواقع انعكس مباشرة على بنية الأسرة اللبنانية. فبدل انتقال الشاب من منزل العائلة إلى منزل مستقل، بات كثيرون يبقون ضمن الإطار الأسري لفترة أطول. ومع أن ذلك يعزّز أحياناً التضامن العائلي، إلا أنه قد يخلق توترات جديدة ناتجة عن ضغوط اقتصادية مشتركة وفقدان الاستقلالية. كما نشأت فجوة اجتماعية بين فئة من الشباب القادرين على العمل عن بُعد وتحصيل دخل خارجي، وأخرى محصورة في سوق محلي هش، ما عمّق الإحساس بعدم المساواة داخل الجيل الواحد.
اهتزاز مفهوم الاستقرار المجتمعي
على مستوى المجتمع ككل، يؤدي تفكك هذا المسار إلى إعادة تشكيل مفهوم الاستقرار. فحين يصبح العمل غير ثابت، والأسرة مؤجلة، والمستقبل غير واضح، تتراجع ثقة الأفراد بالمؤسسات، ويزداد الميل إلى الهجرة أو الانكفاء الفردي. بذلك، لا تقتصر الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل تمتد لتطال الهوية والانتماء الاجتماعي. جيل يعيش في حالة انتقال دائم، من دون محطة استقرار واضحة، يواجه صعوبة في بناء مشاريع طويلة الأمد داخل الوطن.
بين التكيّف وضرورة الإصلاح
ومع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في صورة قاتمة فقط. فقد أظهر الشباب اللبناني قدرة لافتة على التكيّف، من خلال اكتساب مهارات جديدة، والانخراط في الاقتصاد الرقمي، وابتكار أشكال عمل بديلة. لكن يبقى السؤال الأساسي: هل يمكن لمجتمع أن يستقر إذا كان شبابه يعيشون في حالة هشاشة مستمرة؟ إن معالجة هذا الواقع تتطلب سياسات تشغيل فاعلة، وربطاً حقيقياً بين التعليم وسوق العمل، وتوفير شبكات أمان اجتماعي تحمي الانتقال من مرحلة الشباب إلى الرشد.
في المحصلة، إن انتشار البطالة والعمل غير المستقر لا يؤثران فقط في المسار الفردي للشباب اللبناني، بل يعيدان رسم ملامح المجتمع بكامله. فحين يتفكك المسار التقليدي للاندماج الاجتماعي، يصبح مستقبل البنية الاجتماعية نفسها موضع تساؤل، ويغدو إصلاح هذا الخلل الحاصل ضرورةً لا مجرد خيار.

alafdal-news
