ميرنا صابر – خاص الأفضل نيوز
في بلدٍ تتهاوى فيه كل مقومات الحياة، لم يعد تأخّر الزواج مجرّد ظاهرة اجتماعية عادية، بل تحوّل إلى أزمة وجودية تهدّد مستقبل المجتمع اللبناني نفسه. فلبنان الذي كان يُعرف بثقافة العائلة والترابط الاجتماعي، يتصدّر اليوم الدول العربية في نسب العنوسة والعزوف عن الزواج، في مؤشر يعكس عمق الانهيار الاقتصادي والنفسي الذي يعيشه جيل كامل منذ عام 2019.
تقارير اجتماعية عربية ودراسات ديموغرافية تشير إلى أن لبنان يحتل المرتبة الأولى عربياً في نسب النساء اللواتي تجاوزن سنّ الزواج دون ارتباط، بنسبة تقديرية تفوق 80% في بعض الفئات العمرية، وهي نسبة تُعد من الأعلى في المنطقة. ورغم غياب إحصاء رسمي شامل، فإن المؤشرات المتقاطعة من سجلات الأحوال الشخصية والمحاكم الدينية تؤكد تراجعاً غير مسبوق في عدد عقود الزواج خلال السنوات الأخيرة.
كشفت مصادر ديموغرافية خاصة لـ"الأفضل نيوز" أنّ: "عدد الزيجات المسجّلة في لبنان انخفض بشكل حاد بعد الأزمة المالية، حيث تراجع من أكثر من 33 ألف عقد سنوياً قبل 2019 إلى نحو 25 ألفاً فقط في السنوات الأخيرة، مع استمرار المنحى التنازلي. في المقابل، بقيت معدلات الطلاق مرتفعة، ما يعكس هشاشة العلاقات الزوجية تحت ضغط الظروف الاقتصادية."
الأسباب لم تعد محصورة بارتفاع تكاليف الأعراس فحسب، بل باتت مرتبطة بانهيار شامل لشروط الحياة. فمتوسط كلفة الزواج من منزل وتأثيث وحفل أصبح يتجاوز قدرة معظم الشباب، خصوصاً مع انهيار الرواتب وغياب القروض السكنية وارتفاع الإيجارات إلى مستويات قياسية. وتشير مصادر اقتصادية إلى أن راتب الموظف اللبناني لم يعد يغطي سوى جزء ضئيل من متطلبات تأسيس أسرة.
العامل الأكثر تأثيراً يبقى الهجرة. فمئات آلاف الشباب غادروا البلاد منذ بداية الأزمة، ما خلق خللاً واضحاً في التوازن بين الجنسين داخل الفئات العمرية الشابة. مصادر متابعة للملف تؤكد أن العديد من المناطق باتت تشهد نقصاً في الرجال ضمن سن الزواج، في حين بقيت نسبة كبيرة من النساء داخل البلاد، ما ساهم في ارتفاع معدلات عدم الارتباط. ولا تقتصر الأزمة على الجانب الاقتصادي. فبحسب خبراء علم الاجتماع، يعيش الشباب اللبناني حالة "عدم يقين مزمن"، حيث أصبح المستقبل غامضاً إلى درجة تجعل الالتزام طويل الأمد كالزواج قراراً محفوفاً بالمخاطر. الخوف من فقدان العمل أو الهجرة المفاجئة أو الانهيار الأمني يدفع كثيرين إلى تأجيل الزواج إلى أجل غير مسمّى.
التحولات الثقافية لعبت دوراً أيضاً. فازدياد مشاركة النساء في سوق العمل، وارتفاع مستويات التعليم، وتغيّر مفهوم الاستقلال الفردي، كلها عوامل ساهمت في إعادة تعريف الزواج من ضرورة اجتماعية إلى خيار مشروط بالاستقرار، وهو ما بات مفقوداً في لبنان اليوم.
الأخطر أن تداعيات هذه الظاهرة تتجاوز الجانب الاجتماعي إلى البعد الديموغرافي. فتراجع الزواج يواكبه انخفاض حاد في معدلات الولادة، ما يهدّد شيخوخة المجتمع وتسارع تقلّص عدد السكان المقيمين، خصوصاً مع استمرار نزيف الهجرة. وتشير تقديرات أممية إلى أن لبنان قد يواجه خلال العقود المقبلة اختلالاً سكانياً حاداً إذا استمر هذا الاتجاه.
مصادر متابعة تحذّر من أن لبنان يشهد ولادة ما يمكن تسميته "جيل مؤجَّل" جيل يعيش مرحلة الشباب بلا استقرار عاطفي أو أسري، عالق بين الرغبة في حياة طبيعية والعجز عن تحقيقها في ظل دولة منهارة اقتصادياً ومؤسساتياً.
فلم تعد العنوسة في لبنان قضية شخصية أو نسائية، بل تحوّلت إلى مؤشر خطير على تفكك البنية الاجتماعية. فحين يصبح الزواج حلماً مؤجلاً لغالبية الشباب، لا يعود السؤال متى ستعود الأعراس إلى لبنان، بل ماذا سيبقى من المجتمع إذا استمر هذا الحال.

alafdal-news



