ميرنا صابر – خاص الأفضل نيوز
في شتاء 2026، لم يعد العثور على منزل للإيجار في لبنان مجرد مسألة بحث على موقع إلكتروني أو سؤال سمسار عقاري، بل تحوّل إلى اختبار قاسٍ للقدرة المالية والنفسية في آنٍ معاً. فبعد ستة أعوام على الانهيار المالي، عاد سوق الإيجارات ليشتعل بوتيرة غير مسبوقة، مدفوعاً بمزيج معقّد من ارتفاع الطلب، تقلّص العرض، والدولرة شبه الكاملة للعقود، ما وضع عشرات آلاف العائلات أمام معادلة مستحيلة: إما دفع مبالغ تفوق قدرتها بأضعاف، أو النزوح نحو مناطق أبعد وأقل كلفة، أو العودة القسرية إلى منازل الأهل.
مصادر عقارية رفيعة المستوى كشفت لـ"الأفضل نيوز" أن بدلات الإيجار في بيروت وضواحيها ارتفعت خلال العام الماضي وحده بنسب تراوحت بين 30 و70 في المئة، مع تسجيل قفزات أكبر في الأحياء التي تتمتع بخدمات مستقرة نسبياً من كهرباء ومياه وأمن. فالشقة التي كان يمكن استئجارها قبل عامين بنحو 400 دولار شهرياً أصبحت اليوم تُعرض بما لا يقل عن 700 أو حتى 900 دولار، فيما تجاوزت الشقق المتوسطة في مناطق مثل الأشرفية، بدارو، وسن الفيل عتبة الألف دولار، وهي أرقام تلامس مستويات ما قبل 2019 لكن من دون رواتب مماثلة.
التحوّل الأبرز هو أن السوق بات شبه محكوم بالدولار النقدي حصراً، إذ تؤكد مصادر قانونية أن أكثر من 90 في المئة من العقود الجديدة تُبرم بالدولار "الفريش"، مع شروط قاسية تشمل الدفع المسبق لستة أشهر أو سنة كاملة، إضافة إلى تأمينات مرتفعة وصلاحيات واسعة للمالك في حال التأخر في الدفع. هذا الواقع يعكس فقدان الثقة الكامل بالعملة الوطنية وبالقطاع المصرفي، ويحوّل السكن إلى سلعة مرتبطة بتدفق الدولار أكثر من ارتباطها بحاجات الناس.
في المقابل، أدى ارتفاع كلفة البناء والصيانة وانعدام التمويل إلى تجميد مشاريع سكنية كثيرة، ما خفّض العرض في السوق. وتشير بعض التقديرات التي حصل عليها "الأفضل نيوز" إلى أن عدد الوحدات السكنية الجديدة التي دخلت السوق في 2025 انخفض إلى أقل من ثلث المعدلات التي كانت سائدة قبل الأزمة، فيما يفضّل كثير من المالكين إبقاء شققهم فارغة بدل تأجيرها بعقود طويلة خوفاً من أي تشريعات مستقبلية أو تعثّر في الدفع.
وسط هذا المشهد، يبرز اسم مصرف الإسكان كأحد الأمل الأخير لشريحة من اللبنانيين الساعين إلى امتلاك مسكن بدل البقاء في دوامة الإيجار. إلا أن القروض المدعومة التي عاد المصرف إلى منحها بشروط محددة وبتمويل خارجي ما زالت محدودة جداً مقارنة بحجم الطلب. مصادر مطلعة أكدت لـ"الأفضل نيوز": "أن عدد الطلبات المقدّمة يفوق القدرة التمويلية بأضعاف، وأن الموافقات تُعطى وفق معايير صارمة تتعلق بالدخل، عمر المتقدم، وقيمة الشقة، ما يجعل الاستفادة الفعلية مقتصرة على فئة ضيقة من الموظفين الذين يتقاضون رواتب بالدولار أو ما يعادله.
كما أن سقف القروض المتاح لا يتماشى مع الأسعار الحالية للشقق، خصوصاً في بيروت وجبل لبنان، حيث ارتفعت أسعار البيع أيضاً نتيجة شراء المغتربين والمستثمرين النقديين. وبذلك يجد كثير من طالبي القروض أنفسهم مضطرين إلى إضافة مبالغ كبيرة من مدخراتهم الخاصة، وهو أمر غير متاح لغالبية المقيمين.
مصادر مالية تشير إلى أن التمويل الحالي لمصرف الإسكان يعتمد بشكل أساسي على خطوط ائتمان خارجية، ما يجعل استمراريته رهناً بالظروف السياسية والاقتصادية وبقدرة لبنان على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار. وفي حال توقف هذا الدعم، قد يعود السوق إلى نقطة الصفر، حيث لا قروض سكنية ولا بدائل عن الإيجار المرتفع.
اللافت أيضاً هو التبدّل الاجتماعي الذي بدأ يظهر نتيجة هذه الأزمة الصامتة. فارتفاع الإيجارات دفع أعداداً متزايدة من العائلات إلى مغادرة المدن الكبرى نحو الأطراف، أو إلى تقاسم الشقق بين أكثر من أسرة، أو حتى إلى تأجيل الزواج والاستقلال السكني.
وتشير الأرقام الأخيرة إلى أن نسبة الشباب الذين يعيشون مع عائلاتهم بعد سن الثلاثين ارتفعت بشكل ملحوظ منذ 2020، مع تسجيل زيادة إضافية خلال العامين الأخيرين.
في المحصلة، يبدو أن أزمة السكن في لبنان لم تعد مرتبطة فقط بتداعيات الانهيار المالي، بل تحوّلت إلى أزمة بنيوية طويلة الأمد تمس بنية المجتمع نفسه. فبين إيجارات تلامس مستويات عالمية، ورواتب محلية متآكلة، وقروض محدودة لا تكفي لتلبية الحد الأدنى من الطلب، يجد اللبناني نفسه محاصراً داخل دائرة مغلقة: لا قدرة على الشراء، ولا قدرة على الاستئجار، ولا أفق واضح لتصحيح الخلل في المدى المنظور.
وفي بلد اعتاد أن تتحول أزماته إلى واقع دائم، يخشى مراقبون أن يصبح "السكن" هو الأزمة الاجتماعية التالية التي تنفجر بصمت، ليس عبر تظاهرات أو مواجهات في الشارع، بل عبر هجرة بطيئة، تفكك عائلي، وتراجع إضافي في القدرة على البقاء داخل الوطن.

