طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
لم يكن اجتماع واشنطن مجرد لقاء ديبلوماسي آخر بين خصوم اعتادوا لغة الرصاص لا لغة البيانـات، وإنما كان بمثابة "تغيير القنوات" في النزاع اللبناني – الإسرائيلي، فبدلاً من الوساطات الخلفية واتفاقات وقف إطلاق النار الهشّة، اختارت الولايات المتحدة الأميركية أن تنتقل بالمشهد إلى غرفة عمليات مكشوفة، في حضور وزير خارجيتها ماركو روبيو الذي لم يخفِ رغبته في تجاوز الاتفاقات السابقة وصولاً إلى "سلام شامل".
لكن السؤال الذي يتردد في أروقة بيروت وطهران وتل أبيب: هل المفاوضات هذه المرة تؤدي إلى حل، أم إنها جلسة احتضار للسيادة اللبنانية تحت غطاء الإغراءات المالية؟
جلس لبنان على الطاولة ممثلاً بسفيرته ندى حمادة معوّض، لكنه في الواقع جلس بجسد بلا أمن، وجيش بلا قرار، ودولة بلا احتكار للسلاح، وفي المقابل، جلست إسرائيل بورقة واضحة "نزع سلاح الحزب أولاً، ثم نتحدث عن السلام"، وأميركا بدورها لم تكتفِ بدور الوسيط، بل فرضت أجندتها كـ"شريك في الصفقة"، واعدة بإعمار لبنان المنهار، لكن بثمن قد يكون تسليم المقاومة ولو بالتقسيط.
هذه المقدمة ليست لقراءة تقليدية لبيان دببلوماسي، بل هي محاولة لتفكيك "مسرحية واشنطن" التي قد تكون بداية فصل جديد من ألم لبنان، أو ربما فرصة أخيرة لانتشاله من مستنقع الأزمات، فهل يخرج لبنان من هذه المفاوضات دولة كاملة السيادة أم دولة منزوعة السلاح تحت الوصاية؟
تجيب أوساط ديبلوماسية أن لقاء روبيو وسفيري لبنان وإسرائيل يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه المفاوضات، وأهداف المعنيين منها ومدى قدرتهم على تحقيق اختراق حقيقي في واحدة من أكثر النزاعات تعقيداً في الشرق الأوسط.
وفي تحليلها لمضمون البيان المشترك الأميركي اللبناني -الإسرائيلي المشترك الذي وزعته وزارة الخارجية الأميركية تقول الأوساط الديبلوماسية أنه انطوى على رسائل ضمنية وصريحة منها:
ـ أولا، الربط بين المفاوضات ونزع سلاح "حزب الله"، إذ يبدو أن الإدارة الأميركية تضع هذه المسألة كشرط مسبق للمضي قدماً في هذه المفاوضات؛ فالإشارة إلى "استعادة احتكار استخدام القوة" و"إنهاء النفوذ الإيراني المفرط" تعكس أجندة أميركية - إسرائيلية واضحة تتجاوز نطاق المفاوضات التقليدية حول الانسحاب الإسرائيلي وترسيم الحدود وإطلاق الأسرى وغيره.
ـ ثانياً، تجاوز اتفاق 27 تشرين الثاني 2024: عندما تعلن واشنطن أملها في أن "تتجاوز المحادثات نطاق اتفاق 2024"، فإنها تشير ضمناً إلى أن الاتفاق السابق لم يكن كافياً من وجهة نظرها، وأنها تطمح إلى ترتيبات أمنية وسياسية أعمق تمس بنية الدولة اللبنانية ومكوناتها العسكرية.
ـ ثالثا، الإغراء الاقتصادي: فتح باب المساعدات لإعادة الإعمار والاستثمارات أمام لبنان هو ورقة ضغط أميركية تقليدية، تهدف إلى حضّ لبنان على تقديم تنازلات في الملفات الشائكة مقابل وعود تنموية، في بلد منهك اقتصادياً منذ سنوات.
وفي قراءتها للموقف الإسرائيلي الذي عبر عنه السفير يحيئيل لايتر تقول الأوساط الديبلوماسية نفسها أنه يعكس رؤية استراتيجية واضحة:
ـ اشتراط نزع السلاح قبل السلام: إسرائيل تريد أن تصل إلى المفاوضات والحزب منزوع السلاح، وليس العكس. وهذا تحول في المنطق التقليدي حيث كان نزع السلاح يُعتبر نتيجة للسلام وليس شرطاً مسبقاً له.
ـ تفكيك البنى التحتية: الحديث عن "تفكيك كل البنى التحتية" يعني استهدافاً شاملاً لمنظومة الحزب اللوجستية والمدنية والعسكرية، وهي عملية تتجاوز قدرة الجيش اللبناني وحده في الظروف الراهنة.
ـ العمل "مع" الحكومة اللبنانية: العبارة تحمل سيفاً ذا حدين، فإما أن تكون دعماً للحكومة لاستعادة سلطتها، أو أن تكون غطاءً لضغوط إسرائيلية - أميركية مشتركة على الحكومة لتنفيذ أجندة لا تحظى بإجماع وطني.
أما الموقف اللبناني الرسمي فيبدو في قراءة الأوساط الديبلوماسية نفسها أنه واقع بين "المطرقة والسندان"، حيث إن ما قالته السفيرة ندى حمادة معوض يظهر حكومة لبنانية تحاول التوفيق بين تناقضات عدة:
ـ الإيجابي في الموقف: التأكيد على السيادة والسلامة الترابية، والتمسك بتنفيذ اتفاق 2024 كخطوة أولى، والدعوة إلى وقف إطلاق النار ومعالجة الأزمة الإنسانية.
ولكن المعضلة اللبنانية تكمن في أن الحكومة تتفاوض على ملفات تتعلق بـ"حزب الله" الذي يمتلك قوة عسكرية موازية، من دون أن يكون واضحاً إذا كانت تمثل الحزب في هذه المفاوضات أم إنها تتفاوض ضده، هذا الوضع الهش يجعل أي التزام لبناني قابلاً للطعن داخلياً.
وانطلاقاً من هذه القراءة يرى المتفائلون من المعنيين أن فتح قناة ديبلوماسية مباشرة مع إسرائيل يمكن أن تؤدي، في أفضل السيناريوهات، إلى حلول دائمة للنزاع الحدودي وإنهاء التهديد العسكري المتبادل، وبالتالي حصول لبنان على المساعدات الاقتصادية الموعودة التي تمثل شريان حياة للبنان المنهار، خصوصاً إذا ترافقت مع خطة إنعاش حقيقية بلا شروط سياسية تعجيزية، وكذلك فإن استعادة الدولة لاحتكار السلاح هي هدف دستوري لبناني بامتياز، وأي آلية تحقق هذا الهدف بطرق سلمية مرحب بها.
أما على مستوى المخاطر والتحديات فإن الشرط الأميركي - الإسرائيلي بنزع السلاح يضع المفاوضات أمام اختبار صعب، فحزب الله ليس مجرد جماعة مسلحة بل هو مكون اجتماعي وسياسي وطائفي له وزنه الداخلي والإقليمي.
كذلك يبرز أيضا خطر التفريط بالحقوق السيادية بحيث إن الإصرار على تجاوز اتفاق 2024 قد يفتح الباب أمام مطالب إسرائيلية جديدة تتعلق بالمجال الجوي والبري والبحري، أو ما يسمى "الترتيبات الأمنية" التي تمس السيادة اللبنانية.
ومن المخاطر أيضا أن أي تنازلات في ملف السلاح قد تؤدي إلى احتقان داخلي يهدد السلم الأهلي، خصوصاً أن الحزب يتمتع بقاعدة شعبية وجماهيرية واسعة.
أما السيناريوهات المتوقعة، فهي حسب الأوساط الديبوماسية، الآتية:
- سيناريو التفاؤل: تؤدي المفاوضات إلى انسحاب إسرائيلي كامل من النقاط المحتلة، ونزع سلاح تدريجي ومنظم لحزب الله تحت مظلة الدولة، مع صفقة اقتصادية كبرى تعيد إعمار لبنان.
- سيناريو الواقعية: مفاوضات طويلة ومتعثرة، تتوقف وتستأنف، مع ضغوط أميركية متصاعدة على لبنان، وقد تنتهي باتفاق جزئي حول ترسيم الحدود البرية يترك الملف الأمني معلقاً.
- سيناريو التشاؤم: فشل المفاوضات بسبب تعنت إسرائيلي أو رفض حزب الله لأي حل يمس سلاحه، مما يعيد المنطقة إلى مربع التوتر والمواجهات المحدودة.
وفي أي حال يرى بعض الأوساط السياسية أن اللقاء في واشنطن يشكل لحظة مفصلية في تاريخ العلاقات اللبنانية - الإسرائيلية، لكن نجاح هذه المفاوضات يتوقف على قدرة المعنين على تجاوز التناقضات الجوهرية؛ فلبنان يريد سلاماً يحفظ سيادته ويحمي حقوقه، وإسرائيل تدعي أنها "تريد أماناً يزيل التهديد العسكري من شمالها"، فالولايات المتحدة الأميركية تريد إعادة ترتيب المشهد الإقليمي بما يخدم مصالحها وحليفتها إسرائيل، لذلك تنصح هذه الأوساط السياسية الديبلوماسية اللبنانية بأن تكون حذرة وذكية في آن: حذرة من الانزلاق إلى تنازلات تمس هوية الدولة ومقوماتها وأوراق القوة التي تملكها، وذكية في استثمار أي فرصة حقيقية لإنقاذ الاقتصاد واستعادة الاستقرار.

