محمد علوش - خاص الأفضل نيوز
ما يجري على خط عودة النازحين في الجنوب والضاحية يعكس تمامًا النظرة اللبنانية للمقاومة الى الهدنة وما يجري حولها، اذ لا ضمانات حول العودة وما بعدها، ولا قرار بعودة الحياة لطبيعتها لان ما يحاول العدو الاسرائيلي فرضه في الجنوب لا يمكن القبول به على الاطلاق.
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هدنة في لبنان بلا قواعد صلبة، ولا ضمانات، ولا حتى تعريف موحّد لها، وكانت بيانات حركة أمل وحزب الله واضحة لناحية الدعوة للتريث، وربما لو كان بالامكان القول للمواطنين لا تعودوا لكانوا قالوها صراحة، ولكن الدعوة للتريث والتنبه كانت كافية للاشارة الى أن الهدنة غير مبنية على بنود واتفاقات وترتيبات.
الناس عادوا الى مناطقهم لأن لحظة النار خفّت، لا لأن الحرب انتهت، لذلك لم يكن مفاجئاً أن تبدأ موجة نزوح عكسي باتجاه منازلهم ولو أن الهدوء مجرد ترتيب مؤقت.
في هذا المشهد، تتقاطع روايتان، الرواية الأميركية تتحدث عن تفاهم تم التوصل إليه بين حكومة لبنان وحكومة إسرائيل، في محاولة لتثبيت صورة إنجاز سياسي يواكب مسار التفاوض الأوسع في المنطقة، فيما الواقع اللبناني الرسمي يلتزم صمتاً لافتاً، لا تأكيد ولا نفي، وبحسب مصادر متابعة فإن هذا الصمت يعكس مأزق السلطة التي تمتلك الجرأة على إعلان تأييدها أو رفضها، وهذا ما يجعل لبنان الرسمي في منطقة رمادية بانتظار ما سيُرسم له من الخارج، مع الإشارة الى أن لبنان الرسمي قرر التموضع في المسار الأميركي في المنطقة وهذا ما يسبب فوضى سياسية داخلية.
في المقابل، تبدو مقاربة المقاومة مختلفة تمامًا فما يُقال في مجالسها المغلقة، ويُسرّب على ألسنة بعض مسؤوليها بخصوص الهدنة والنزوح والعودة، ينطلق من فرضية واضحة تقول ان لا هدنة قابلة للحياة من دون تثبيت سياسي يوازيها، وبحسب المصادر فإن أي تهدئة لا تُترجم بتفاهمات أوسع، وخصوصاً على خط واشنطن طهران، ستبقى قابلة للانفجار في أي لحظة، لذلك، لا يُنظر إلى المرحلة الحالية كاستقرار، بما يجعلها قابلة للانفجار وبالتالي سيكون من الأفضل خروج المواطنين من مناطقهم، أولاً لكي لا يكون هناك عوائق أمنية بحال حصل رد، وثانيًا لكي لا تقوم إسرائيل بما اعتادت عليه من إجرام، وثالثًا لكي لا يعلق المواطنون على الطرقات خصوصًا في المناطق التي استهدفت فيها الجسور.
المعلومات المتقاطعة من أكثر من مصدر دبلوماسي تشير إلى أن الهدنة لم تتجاوز في حقيقتها موقفًا أميركيًا لمحاولة إعادة إيران الى طاولة التفاوض وفتح مضيق هرمز، بلا أي ضمانات وهو ما يجعل تثبيتها أو انهيارها متعلقا بأصل وجودها، وهذا ما يفسر الحذر الذي يطبع سلوك الأطراف الفاعلة، من الميدان إلى السياسة، وصولاً إلى المدنيين أنفسهم.
لم يلتزم العدو الإسرائيلي بالهدنة، بل أعلن عن خط أصفر لاحتلاله لتكرار واقع غزة في لبنان وبمساحة مضاعفة، وهو ما لا يمكن القبول به، اما التحرك المقبل فسيكون مرتبطًا بمسار ومصير المفاوضات في إسلام آباد، لذلك فالحذر سيبقى قائمًا بانتظار الساعات المقبلة.
بهذا المعنى، لا تبدو عودة النازحين حتى الآن سوى مشهد معلّق، لا يمكن تثبيته إلا إذا تحوّلت الهدنة إلى اتفاق فعلي وهو ما ليس متاحًا بعد، بظل وجود احتمالات لعودة القتال من إيران الى لبنان والمنطقة.

