ميرا عيسى- الأفضل نيوز
زياد غنيٌّ عن التعريف؛ ابن عاصي وفيروز اللّذَيْن صنعا مجد لبنان وفنّه، فأنجبا عبقرياً ثار على الفوضى بانتظام، وكسر حدود الموسيقى ليصل إلى الخلود. ذاك الصديق الذي ولدنا ونحن نستمع إليه، وننتشي بكلماته، ونتعلّم منه كيف تُحيا الثورات وكيف ترتقي الأمم.
رفيقُ خيباتنا، وحُبُّنا الأوّل، ونجمُ سهراتنا في شارع الحمراء؛ صاحب الكوميديا السوداء والسخرية السياسية التي عايشت الواقع وانتقدته على أمل إصلاحه، وصاحب الأغاني المرنة القريبة من وجدان الشعب. زيادٌ ابن ذلك الحيّ الذي نعرفه، رحل بعيداً، لكنّ فكره وموسيقاه لم يفارقانا؛ نحن الذين عايشناه بين طيّات الألحان ووسط دموع شعبنا.
فكيف استطاع زياد الرحباني أن يكسر النمطية الموسيقية والفكرية، ويُشعل فتيل الثورة دون أن يثير الشغب؟
المسرح الواقعي وهدم "الجمهورية الفاضلة"
شكّلت تجربة زياد الرحباني المسرحية انعطافة جذريّة في تاريخ المسرح اللبناني والعربي، إذ أطاح بمتخيل "الجمهورية الفاضلة" واليوتوبيا الفولكلورية الحالمة، لينتقل بالخشبة نحو واقعية سياسية واجتماعية فجّة بمعناها النقدي التفكيكي. ففي الوقت الذي غرق فيه المسرح التقليدي في التبسيط الرمزي والتباكي الرومانسي على أطلال وطن مثالي، اشتبك زياد مباشرة مع التشوهات الهيكلية للبنية اللبنانية وتناقضاتها الصارخة.
ففي مسرحية "بالنسبة لبكرا شو؟"، جسّد زياد المعاناة المعيشية لزوجين يصارعان لتأمين قوت عائلتهما في وطنٍ تنهكه البطالة والحرب والأحقاد الطائفية. بينما كشف عبر أغنية "عايشة وحدها بلاك" عن لوعة الحب من طرف واحد وعثرات العلاقات، مقدّماً صورةً مكثفة عن خيبة الأمل والحظ العاثر في الحب والواقع.
تجلّت ثورة زياد الرحباني على النظام والطائفية وويلات الحرب في مسرحيتَيْ "فيلم أميركي طويل" و"شي فاشل"، مُقدّماً رؤيةً مغايرة للإرث الرحباني التقليدي بنقل الفضاء المسرحي من الحلم إلى بارات بيروت وزواريب الحرب وأروقة المصحات النفسية. وهناك رصد استشراء الخطاب الطائفي وتهميش الطبقات المسحوقة وانهيار مفهوم الدولة، ليُعيد صياغة الوظيفة الفكرية للكوميديا وينتزعها من التسلية السطحية نحو "كوميديا سوداء" وسخرية لاذعة؛ تحوّل فيها الضحك إلى مشرط جراحي يُشرّح تشوهات المجتمع والسياسة دون تجميل.
كسر النمطية الموسيقية
لم يتعامل زياد الرحباني مع الموسيقى الشرقية الكلاسيكية كأيقونة جامدة يمنع المساس بها، بل أحدث فيها ثورة هجينة وغير مسبوقة. حيث زاوج زياد بين أساليب الـ Jazz والـ Blues والـ Funk والمقامات العربية بطريقة لم يسبقه إليها أحد. يتجلى هذا بوضوح في ألبومات مفصلية مثل "وحدن" و"معرفتي فيك"، وحتى في أغاني مثل "تلفن عياش"، حيث تتسلل الايقاعات الغربية لتعزف خلفية حيوية لجمل مقامية كلاسيكية دون أن تفقد أصالتها.
وكسر زياد نمطية "الأغنية الطويلة" والقوالب الصارمة للموشح الكلاسيكي، ليحول المقطوعة الموسيقية إلى حوار حيّ وتجريبي. أصبحت الموسيقى عنده مسرحاً تتوزع فيه الصولوهات بين الآلات كأنها شخصيات تتحدث وتتقاطع.
لم يعد البيانو مع زياد مجرد آلة مرافقة، بل أداة تقود الإيقاع لتعزف التقاسيم الشرقية بروح الجاز، كما نسمعه بوضوح في عزفه بألبوم "أنا مش كافر" وفي المقدمات الأيقونية لأغاني فيروز مثل "سلملي عليه".
أنسنة الأغنية
لم تقتصر ثورة زياد الرحباني على الخشبة المسرحية أو التوزيع الموسيقي، بل امتدت لتحدث قطيعةً معرفية ولغوية مع شكل الأغنية العربية ومضامينها. فقبل مشروعه، كانت الأغنية الرومانسية تُصاغ عادةً داخل أطر مجازية فخمة ولغة بلاغية مثالية.
"بحبّك بلا ولا شي، ولا فيه بهالحب مصاري، ولا ممكن فيه ليرات، ولا ممكن فيه أراضي، ولا فيه مجوهرات، تعي نقعد بالفيّ، مش لحدا هالفيّ، حبّيني وفكّري شويّ"
فمن خلال هذه الأغنية، كتب زياد الرحباني بلسان المواطن العادي ولغته اليومية المباشرة متخلياً عن البلاغة التقليدية المتكلفة والكلمات المعقدة التي تتطلب العودة إلى المعاجم. لقد حرّر اللغة من القواعد الصارمة، وأسس معجماً خاصاً به لا يليق إلا بتجربته، مخترعاً بذلك لوناً فنياً وأسلوباً فريداً يصعب تكراره أو تقليده.
نزع الرحباني القدسية والتعالي عن المواضيع العاطفية والسياسية على حد سواء، ليُعيدها إلى أصلها كـتجربة بشرية خالصة مليئة بالشك، والتعب، والتناقضات. فلم يعد الحب في أغنيته أسطورة ناصعة لا تشوبها شائبة، ولا القضايا الوطنية شعارات طنّانة، بل أضحت جميعها تجارب يومية حية تعكس حقيقة الإنسان العادي ومكابداته دون تجميل أو تكلّف.
"العباقرة ما بتساعن الدّني" سيبقى زياد قصيدةً نكتبها كلما قررنا السفر في حقيبتنا المهاجرة، نتذكره فنحنّ ونبكي. ستبقى أنت يا صديقي شعراً متحرراً من القافية؛ أنت بيروت التي نحب، والتي تشبهنا ونشبهها. سأكتبك بين كل حربٍ ومجزرة، "صاروا سنة يا زياد" وما زلنا نفتقد ثورتك العالقة في أذهاننا، وبين جدران الأيام، وعلى أرصفة البيوت القديمة في مدينتك المفضلة. سأنثر عنك ولك في كل سنةٍ تمرّ دون أن تكون موجوداً مع أنك موجود، لأننا لم نفترق، لكننا لن نلتقي.

