عماد مرمل - خاص الأفضل نيوز
بعد حصول الاجتماع بين الرئيسين جوزاف عون ودونالد ترامب، وبعد تنفيذ المرحلة الأولى من المناطق التجريبية في فرون وصريفا وزوطر الغربية تحت سقف اتفاق الإطار، يكون مسار واشنطن الذي يسلكه لبنان الرسمي قد استهلك ورقتين، أو عبر في محطتين، من دون أن يفضي بعد إلى نتائج حقيقية على مستوى منع الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة لوقف إطلاق النار وبدء الانسحاب الفعلي من الأراضي الجنوبية المحتلة.
وبهذا المعنى، فإن قمة عون - ترامب و"همروجة" المناطق التجريبية لم تخرجا، أقلّه حتى الآن، من كادر الصورة إلى حيز صنع تحول جدي في الوقائع الميدانية أو في الستاتيكو الذي يحاول العدو الإسرائيلي فرضه على أرض الجنوب، بشكل يسمح له بإطالة أمد الاحتلال أطول وقت ممكن، خصوصًا أن اتفاق الإطار منحه هامش مناورة واسعًا بربطه بين تحقيق "إعادة الانتشار" ونزع السلاح.
وإذا كانت التعقيدات التي تواجه مسار إسلام آباد ومذكرة التفاهم الإيرانية - الأميركية قد منحت جرعة أوكسيجين لمسار واشنطن، وعززت قناعة أنصاره بأنهم كانوا محقين في رفض ربط مصير لبنان بالمفاوضات المتقلبة بين واشنطن وطهران وبالمد والجزر في مضيق هرمز، إلا أن هؤلاء لم ينجحوا بعد في تقديم أي دليل ملموس على صوابية خيارهم المضاد وصحة البديل الدبلوماسي الذي يروجون له من خلال التمسك بالتفاوض المباشر مع تل أبيب والتعويل على اتفاق الإطار لاستعادة الحقوق.
وبناء عليه، هناك من يلفت إلى أنه كانت لدى السلطة السياسية فرصة ثمينة للاستفادة من التجاذبات المتجددة على الخط الإيراني - الأميركي التي جمدت مفاعيل مذكرة التفاهم، وبالتالي إثبات جدوى الخيار الذي اعتمدته من أجل إطلاق دينامية تحرير الأرض وإعادة النازحين وإطلاق الأسرى وبدء الإعمار، غير أنها لم تستطع أن تأتي، لغاية الآن، بأكثر من مناطق تجريبية هزيلة، بعدما تبين أن الجيش الإسرائيلي انسحب من بلدات لم يكن يحتل معظمها، إذ إن صريفا وفرون محررتان أصلًا، والجيش اللبناني كان منتشرًا فيهما، وهو عزز انتشاره ليس إلا، أما زوطر الغربية فلم تكن محتلة في أغلبها، وجنود العدو كانوا يتواجدون عند أطرافها، وليس في داخلها، فيما أعلن بنيامين نتنياهو رفض الانسحاب ولو مليمترًا واحدًا من مساحة "الخط الأصفر".
وإضافة إلى ذلك، تستمر قوات الاحتلال في الاعتداءات المتفرقة، وإرسال المسيّرات فوق العاصمة والضاحية، وتجريف الأراضي، وتنفيذ تفجيرات كبيرة في البلدات التي تسيطر عليها، ضمن سياق التدمير الممنهج الرامي إلى تحويلها أرضًا محروقة غير صالحة للسكن، من دون أن يتمكن لا اجتماع واشنطن بين عون وترامب ولا اتفاق الإطار من لجم تلك الجريمة المتمادية ووقف أعمال الهدم والحرق، وهذا أضعف الإيمان بالحد الأدنى.
وتلفت أوساط سياسية إلى أنه كان بمقدور الإدارة الأميركية وتل أبيب أن تقويا موقف السلطة في مواجهة خصومها الرافضين لقرارها بالتفاوض المباشر والتوقيع على اتفاق الإطار، لو أنهما قدمتا لها القليل مما يمكن أن يعزز موقعها وأوراقها، كالانسحاب من بلدة أو بلدات محتلة بالكامل، رغم أن مبدأ المناطق التجريبية غير مناسب أساسًا، كونه يضع الجيش تحت الاختبار الخارجي المسيء إلى كرامة الدولة ومؤسستها العسكرية، وكونه يعني أن استكمال الانسحاب الكامل سيحتاج إلى وقت طويل جدًّا.
وتشير تلك الأوساط إلى أن الكيان الإسرائيلي استكثر على السلطة، التي تساهلت كثيرًا معه في اتفاق الإطار، أن تظهر بمظهر من صنع إنجازًا حقيقيًّا يتمثل في تحرير مساحة محتلة فعلًا بواسطة الدبلوماسية، ولو حصل ذلك لكانت تلك السلطة قد أحرجت حزب الله وسحبت من تحت أقدامه بساط التعويل على الدور الإيراني.
وأمام هذا الواقع، يبدو حزب الله مصرًا على اعتبار مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية المدخل الوحيد لتحرير الأرض، وهو يعتبر أنها لا تزال حية، ولو تم تعليقها إلى حين بفعل التصعيد الأخير، وبالتالي لا بد، في رأيه، من أن يعود طرفاها إليها في نهاية المطاف، على قاعدة أنها ممر إلزامي نحو أي تسوية نهائية.

