محمد علوش - خاصّ الأفضل نيوز
لا يمكن فصل زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى النبطية، يرافقه قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، عن التطورات الميدانية التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الماضية بدءا من علي الطاهر، إذ تكشف مصادر متابعة لـ"الأفضل نيوز" عن تفاهمات جرى التوصل إليها بشأن النبطية ومحيطها، بمشاركة جهات خارجية في التفاوض، تقوم على تهدئة الوضع في القرى والبلدات المأهولة مقابل ترتيبات جديدة على الأرض يتقدم بموجبها الجيش اللبناني، وتتراجع القوات الإسرائيلية عن بعض النقاط التي وصلت إليها خلال عملياتها الأخيرة.
وبحسب المصادر، لا يمكن الحديث حتى الآن عن اتفاق أو ترتيبات نهائية، بل عن تفاهم ميداني مؤقت يُفترض أن يستمر أياماً بانتظار ما ستنتجه المفاوضات المقبلة، إلا أن أهميته تكمن في محاولة ضبط الواقع الذي نشأ بعد العمليات الإسرائيلية الأخيرة ومنع انتقال التصعيد من المواقع والتلال إلى القرى والبلدات المأهولة.
وتشير المصادر إلى أن التفاهم يقوم على انكفاء القوات الإسرائيلية من تلة علي الطاهر باتجاه محور الشقيف، مع إبقاء وجودها في حرش علي الطاهر وحي الدير في النبطية الفوقا، واستمرارها في استهداف أي تحرك عسكري تعتبره تهديداً لها، إلى جانب مواصلة عملياتها على التلال والمناطق التي استهدفتها خلال الفترة الماضية.
في المقابل، يُفترض أن يتوقف التصعيد الإسرائيلي باتجاه المناطق المأهولة في النبطية ومحيطها، وأن يوسع الجيش اللبناني انتشاره بالتوازي مع عودة الأجهزة الأمنية والإدارات الرسمية إلى ممارسة عملها.
بهذا المعنى، لا نتحدث عن وقف كامل للعمليات الإسرائيلية أو تخلي إسرائيل عن حرية الحركة التي تتمسك بها، بل عن محاولة لتحييد المناطق السكنية وإعادة وضعها تحت مسؤولية الدولة اللبنانية ولو بشكل جزئي ومؤقت.
وتكشف المصادر أن حزب الله أُبلغ بهذه الترتيبات ووافق عليها، وتحديداً بما يتعلق بتوسيع انتشار الجيش، إذ يعتبر أن تحييد القرى والبلدات المأهولة عن الاعتداءات الإسرائيلية أمر إيجابي، كما أن التهدئة تمنحه مزيداً من الوقت في ظل التحولات والضغوط التي تشهدها المنطقة، هذه الموافقة مهمة، لأنها تعني أن تقدم الجيش لا يُنظر إليه في هذه المرحلة باعتباره مواجهة بين الدولة والحزب، طالما أن هذا التقدم يقابله انكفاء إسرائيلي ويخفف الضغط عن السكان.
من هنا أيضاً يمكن قراءة زيارة عون وقادة الأجهزة إلى النبطية باعتبارها جزءاً من تثبيت المسار وإعطائه غطاءً سياسياً وأمنياً، خصوصاً أن المطلوب يتطلب إعادة حضور مؤسسات الدولة إلى المنطقة وإظهار قدرتها على تولي المسؤولية.
وتكتسب زيارة عون معنى إضافياً انطلاقاً من كلامه من النبطية، إذ أكد أن الهدف هو الوقوف على متطلبات المواطنين وتأمين الخدمات والأمان بما يسمح لهم بالبقاء، متمسكاً في الوقت نفسه بالانسحاب الإسرائيلي وعودة الأسرى والنازحين والإعمار كثوابت للدولة، ونافياً وجود مفاوضات جديدة مع إسرائيل في الوقت الحالي. وهذه المواقف تكمل ما كان قد أعلنه قبل أيام بعد الاجتماع الأمني في بعبدا، عندما ربط الانتشار الأمني في النبطية بالتزامات الدولة وموقعها التفاوضي، وحذّر من أن أي فراغ أمني في الجنوب يمنح إسرائيل ذريعة لمواصلة اعتداءاتها.
لكن التفاهم يحمل في داخله مشكلة أساسية، إذ إن إسرائيل ستبقي، وفق الصيغة المطروحة، وجوداً في نقاط محددة وحرية استهداف ما تعتبره تهديداً، ما يعني أن الخلاف الأساسي حول حرية الحركة الإسرائيلية لم يُحسم، لذلك فإن الاختبار لن يكون في زيارة الرئيس ولا في عدد الوحدات التي سينشرها الجيش، وحتى موافقة حزب الله وحدها لا تكفي لإنجاح التفاهم، الاختبار سيكون في السلوك الإسرائيلي خلال الأيام المقبلة.

