إلياس المرّ - خاصّ الأفضل نيوز
في عالمٍ لم يعد يعرف الاستقرار، تجتمع دول «البريكس» فيما خرائط النفوذ الدولي تُعاد صياغتها، والتحالفات التقليدية تهتز، والأزمات تتوالد من بعضها البعض. ليست القمة مجرّد لقاء اقتصادي بين دول صاعدة، ولا مناسبة بروتوكولية لتبادل المواقف؛ إنها محطة سياسية في مسار طويل نحو نظام دولي جديد، تتنافس فيه القوى الكبرى على تعريف قواعد اللعبة وشكل العالم المقبل.
تنعقد القمة في لحظة شديدة الحساسية، الحرب في أوكرانيا لم تعد أزمة أوروبية محصورة، والتوترات في غرب آسيا تحوّلت إلى اختبار حقيقي لقدرة النظام الدولي على إدارة الصراعات، فيما تتصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، وتتزايد الضغوط على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والطاقة والتجارة الدولية.
وسط هذا المشهد، تحاول «البريكس» تقديم نفسها بوصفها إطاراً لقوى تريد إعادة التوازن إلى النظام العالمي؛ فالدول المنضوية في المجموعة تمثل كتلاً سكانية واقتصادية وجغرافية هائلة، وتملك موارد طبيعية وأسواقاً واسعة، فيما تسعى إلى تعزيز التعاون في مجالات التجارة والطاقة والتمويل والاستثمار والتكنولوجيا.
لكن أهمية البريكس لا تكمن فقط في حجم اقتصادها أو عدد سكانها، بل في الرسالة السياسية التي تحملها؛ فصعود المجموعة يعكس شعوراً متنامياً لدى عدد من دول الجنوب العالمي بأن النظام الدولي القائم لم يعد يعكس بصورة عادلة موازين القوى الجديدة، وأن المؤسسات الدولية تحتاج إلى إصلاح يوسع المشاركة ويعيد توزيع النفوذ.
ومن هنا يأتي الحديث المتزايد عن تقليل الاعتماد على الدولار، وتطوير آليات دفع بالعملات الوطنية، وتعزيز المؤسسات المالية البديلة، غير أن الانتقال إلى نظام مالي متعدد الأقطاب ليس مسألة تقنية سهلة، بل مشروع طويل يحتاج إلى تنسيق سياسي واقتصادي عميق بين دول تختلف في مصالحها وأنظمتها وأولوياتها.
وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط القوة والضعف في آن واحد؛ فالبريكس تجمع دولاً كبيرة، لكنها ليست تحالفاً عسكرياً ولا كتلة سياسية متجانسة،المصالح المشتركة واسعة، لكن التباينات أيضاً كبيرة، ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمامها ليس في قدرتها على إصدار البيانات، بل في تحويل التوافق السياسي إلى مشاريع ومؤسسات وآليات مستدامة.
وتزداد هذه المعضلة تعقيداً مع اتساع المجموعة. فكلما ارتفع عدد الأعضاء، ازدادت قدرتها على تمثيل الجنوب العالمي، لكن ازدادت في المقابل صعوبة التوصل إلى مواقف موحّدة؛ فلكل دولة حساباتها الأمنية والاقتصادية وعلاقاتها الدولية، وقد تتقاطع مصالحها في ملف، وتتباعد في ملف آخر. كما أن التنافس بين بعض القوى الكبرى داخل المجموعة نفسها يفرض حدوداً واضحة على إمكانية تحولها سريعاً إلى كتلة متماسكة ذات قرار واحد.
أما بالنسبة إلى العالم العربي، فإن تطور البريكس يفتح نافذة استراتيجية مهمة. المنطقة تقع في قلب ملفات الطاقة والتجارة والممرات البحرية والاستثمار، كما أن دولاً عربية أصبحت جزءاً من هذا المسار، وهذا يمنح العالم العربي فرصة لتنويع الشراكات الدولية وعدم الارتهان لمحور واحد، شرط أن يتحول الانفتاح على القوى الصاعدة إلى سياسة مصالح واضحة، لا إلى انتقال من تبعية إلى تبعية أخرى.
وفي المحصلة، تأتي قمة البريكس على وقع أزمات دولية متشابكة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن تحوّل أعمق في موازين القوى ؛ فالعالم الذي عرفناه خلال العقود الماضية يتغير، فيما تبحث دول كثيرة عن مساحة أوسع للدفاع عن مصالحها، بعيداً عن هيمنة مركز واحد على القرار الدولي.
قد لا تكون «البريكس» بديلاً جاهزاً للنظام القائم، لكنها أصبحت لاعباً لا يمكن تجاهله، ومع اتساع عضويتها وتنامي ثقلها الاقتصادي، لم يعد السؤال عن قدرتها على منافسة القوى التقليدية، بل عن مدى قدرتها على تحويل هذا الثقل إلى نفوذ سياسي فعلي.
لكنّ صعود «البريكس» لا يعني بالضرورة أنها تسير نحو التحول إلى كتلة متماسكة وقادرة على العمل كقوة واحدة؛ فالفوارق السياسية والاقتصادية بين أعضائها كبيرة، والمصالح الوطنية قد تتقدم في لحظات كثيرة على الرؤية الجماعية.
والسؤال الأهم يبقى: هل تستطيع «البريكس» بناء مشروع مشترك، أم ستبقى إطاراً واسعاً تلتقي فيه دول متباينة حول رفض هيمنة قطب واحد، من دون أن تتفق بالضرورة على البديل؟
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي. فكلما توسعت المجموعة، ازدادت قوتها العددية والاقتصادية، لكن ازدادت معها صعوبة التوافق وصناعة قرار موحّد. وبين طموح بناء نظام أكثر تعددية، وحسابات المصالح المتباينة لأعضائها، تقف «البريكس» أمام معادلة دقيقة: أن تتحول من تجمعٍ لقوى صاعدة إلى قوةٍ قادرة على التأثير، من دون أن يفقدها اتساعها القدرة على التماسك.
ففي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، قد لا يكون التحدي أمام «البريكس» أن تكبر، بل أن تبقى متماسكة وهي تكبر. ومن هنا، فإن مستقبلها لن تحدده بيانات القمم وحدها، بل قدرتها على تحويل التباين بين أعضائها من مصدر ضعف إلى مساحة تفاهم ومصالح مشتركة.

