طارق الحجيري -خاصّ الأفضل نيوز
ليس السؤال اليوم ماذا يقول بعض النواب داخل مجلس النواب اللبناني، بل كيف يمكن أن يُقال ما قيل على منبرٍ يفترض أنه لتمثيل الناس، والتشريع باسمهم، ومناقشة همومهم المعيشية وقضاياهم الوطنية التي تمسّ حاضرهم ومستقبل أبنائهم.
في الجلسات الأخيرة، بدا المشهد كمعركة في ساحة قرية، يتبادل فيها المتخاصمون الشتائم والانفعالات، بدل أن يكون مجلساً تشريعياً تحكمه لغة القانون، ورصانة النقاش، واحترام المؤسسة والناس الذين انتخبوا أعضاءها.
المشكلة ليست في اختلاف الآراء، فالاختلاف جوهر العمل النيابي، ولا في ارتفاع سقف المواقف السياسية، فالمعارضة والمحاسبة حقان أساسيان. المشكلة تبدأ عندما تنحدر لغة الخطاب إلى الإسفاف والتجريح وتبادل عبارات لا تليق بمجلسٍ تشريعي وظيفته أن يكون عنواناً للدولة.
مجلس النواب ليس منبراً شخصياً، ولا مسرحاً للمزايدات، ولا مساحة لتصفية الحسابات والاستعراض أمام الكاميرات، بل المكان الطبيعي لمناقشة القوانين، وطرح مصالح الناس، ومراقبة الحكومة، ورسم صورة الدولة.
لعقودٍ مضت، مرّ على منبر المجلس مشرعون كبار، ودستوريون عظام تركوا بصمتهم في الحياة السياسية، وكانت الجلسات تُتابع في لبنان والعالم العربي، وكان اللبنانيون يرون في بثها المباشر جزءاً من الحياة الديمقراطية.
أما اليوم، يطالب كثيرون بمنع البث المباشر حفاظًا على الذوق العام، ومسامع أطفالهم، وهذا بحد ذاته مؤشر يستعجل التساؤل، كيف وصلنا إلى مرحلة بات نقل جلسة نيابية مشكلة، بدلاً من كونه ممارسة طبيعية للشفافية؟
الانحدار لا يبدأ فقط من القوانين السيئة، بل ينطلق من اللغة التي تُستخدم في إنتاجها، وعند انخفاض مستوى الخطاب، تنخفض معه تلقائيًا صورة المؤسسة التشريعية أمام الناس.
اللبنانيون لا يريدون مجلساً أفلاطونيًا هادئاً بلا خلافات، بل مجلس يختلف بمسؤولية، يريدون نواباً يتجادلون حول القوانين والسياسات والاقتصاد والإنماء، لا حول الشتائم والمهاترات، المجلس مرآة للناس، لكن الناس أيضاً يراقبون هذه المرآة، وما يظهر فيها اليوم يحتاج إلى مراجعة جدية، ليس حفاظاً على هيبة النواب، بل حفاظ على هيبة المجلس والدولة والناس معاً.

